منذ بدأت الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران، تركزت الأنظار إلى حد بعيد على التصعيد العسكري والأمن الإقليمي واضطرابات الطاقة العالمية وأسواق السلع الدولية، مع توجيه قدر أقل من الاهتمام إلى العواقب الأخرى المحتملة للحرب، مثل تغيّرات الرأي العام والأطر التي يجري من خلالها تقييم الأطراف الإقليمية والدولية. وبعد توقيع مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران مؤخرًا، أصبح فحص هذه التغيرات على قدر أكبر من الأهمية من أجل فهم العواقب طويلة الأجل لهذا النزاع.
تشير نتائج جديدة للباروميتر العربي إلى صعود هائل لشعبية إيران في أوساط المواطنين الموريتانيين، وهو بلد موقعه بعيد عن النزاع وتربطه أقل الروابط بطهران. لكن تبين أن معدّل تغيّر الآراء هائل. رغم أن قلة من الموريتانيين قد أعربت عن آراء إيجابية تجاه السياسة الخارجية للقيادة الإيرانية قبل عامين، فاليوم تستحسن الأغلبية العظمى سياسات إيران، مع وجود تقدير بالغ للسياسات الخارجية لمرشدها الأعلى. تؤشر هذه النتائج بتسارع كبير في توجّه قائم للرأي العام شهدناه في بلاد أخرى بالمنطقة. ففي أواخر 2025 كانت إيران قد اكتسبت بالفعل الدعم الجماهيري في عدد من البلدان العربية، لكن نتائج موريتانيا توحي بأن الهجمات الأمريكية الإسرائيلية على إيران ربما عجّلت بشدة من وتيرة هذا التوجّه. في حين لا يمكن التعامل مع الأدلة والبيانات الواردة من بلد واحد بصفتها دالة على تغيّر إقليمي أعرض نطاقًا، فالنتائج تثير أسئلة هامة حول كيف ربما يعيد النزاع تشكيل تصورات الناس عن الشرعية والنفوذ الأجنبي عبر مختلف بلدان العالم العربي.
في الوقت نفسه، وبالنظر إلى أن إيران كانت تحقق بالفعل مكاسب في دول أخرى على مسار الرأي العام، فإن هذه النتائج الجديدة تثير أسئلة مهمة حول الكيفية التي قد يعيد بها النزاع تشكيل تصورات شرعية القوى الأجنبية في أجزاء من العالم العربي، وربما خارجه. كما أنها تضع موضع تساؤل افتراضًا ظل قائمًا لفترة طويلة، بأن المواطنين في معظم دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لا يبدون رغبة كبيرة في تقارب أكبر مع إيران. وإذا استمر هذا الاتجاه، فقد تكون إحدى النتائج بعيدة المدى لهذه الأحداث زيادة الانفتاح الشعبي على علاقات أوثق مع إيران، بما قد يدفع باتجاه التئام واحدًا من أبرز الانقسامات السياسية والطائفية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
تعتمد النتائج بالأساس على استطلاع جديد للرأي أجريناه في موريتانيا من 28 أبريل/نيسان إلى 12 مايو/أيار 2026. بسبب ظروف استجدت حينذاك وقبل ذلك التاريخ، أُجري استطلاع الباروميتر العربي في موريتانيا بعد ستة أشهر تقريبًا من إجراء ثمانية استطلاعات أخرى مثّلت قوام الدورة التاسعة للمشروع. نتيجة لهذا، كانت موريتانيا الدولة الوحيدة التي توفرت منها بيانات بعد بداية الحرب مع إيران.
قد لا تبدو موريتانيا البلد الأقرب لكونه المُمثل لاتجاهات الرأي العام في المنطقة العربية، لكنها تقدّم حالة اختبار كاشفة على نحو غير مألوف لكيفية تأثير الحرب في جماهير بعيدة جغرافيًا عن إيران وغير منخرطة مباشرة في النزاع. تقع موريتانيا على بُعد أكثر من ثلاثة آلاف ميل من إيران. ولا توجد روابط تاريخية قوية بين البلدين. وعلى الرغم من أن كليهما يحمل صفة “الجمهورية الإسلامية”، فإن الغالبية الساحقة من الموريتانيين من السنّة، بينما يشكّل الشيعة الأغلبية العظمى في إيران. باختصار، ليس هناك الكثير مما يربط بين البلدين. كما أن موريتانيا لم تتأثر مباشرة بالنزاع، ويرجع ذلك جزئيًا إلى أنها بينها وبينه قارة كاملة. على ذلك، ورغم هذه الحقائق، فقد تشكّل الرأي العام فيها بصورة درامية بفعل الأحداث الأخيرة.
اليوم، تبدو النظرة من موريتانيا إلى إيران أكثر إيجابية من نظرة مواطنيها إلى أي دولة أخرى شملها استطلاع موريتانيا. إذ إن نسبة هائلة من المواطنين، تبلغ 84 بالمئة، لديها آراء إيجابية حول إيران. ويتجاوز هذا المستوى نظيره بالنسبة إلى تركيا (حيث يبلغ 79 بالمئة) وقطر (73 بالمئة) والسعودية (70 بالمئة)، وهي ثلاث دول أخرى ذات أغلبية سنية. كما يفوق بكثير مستوى الإمارات (52 بالمئة). وهو أيضًا أعلى بكثير من مستوى آراء الموريتانيين الإيجابية تجاه الولايات المتحدة (20 بالمئة)، وفرنسا، القوة الاستعمارية السابقة (34 بالمئة)، وألمانيا (25 بالمئة). واللافت أنه أعلى بكثير أيضًا من شعبية حلفاء إيران الرئيسيين، الصين (بواقع 58 بالمئة)، وروسيا (40 بالمئة). باختصار، تتجاوز شعبية إيران شعبية قوى إقليمية تشترك معها موريتانيا في قواسم أكثر، كما تتجاوز شعبية حلفاء إيران وأعدائها على السواء. وبحسب هذه الأدلة، تبدو إيران وكأنها تحقق مكاسب في معركة الرأي العام؛ فالكثير من المواطنين ينظرون إليها بدرجة أقل بوصفها تهديدًا إقليميًا، وبدرجة أكبر بوصفها بلدًا يتعرض لهجوم من خصوم أقوى منه بكثير.

للأسف، لم يسبق للباروميتر العربي أن سأل مباشرة عن شعبية إيران في موريتانيا. غير أن سؤالًا عن الآراء في السياسات الخارجية للمرشد الأعلى الإيراني يكشف عن تغير كبير في المواقف مقارنة بما كان عليه الحال قبل عامين. اليوم، يقيّم 79 بالمئة من الموريتانيين سياسات مجتبى خامنئي تقييماً إيجابياً، مقارنة بـ 24 بالمئة فقط قالوا الشيء نفسه عن سياسات علي خامنئي في عام 2024، أي بزيادة قدرها 55 نقطة مئوية. واللافت أن موقف إيران من غزة وحده لا يبدو كافيًا لتفسير حجم هذا التحول: فمن استطلاع 2021-2022 إلى استطلاع 2024، تراجعت الآراء الإيجابية في سياسات المرشد الأعلى بمقدار 13 نقطة؛ ما يشير إلى أن موقف إيران من غزة لم يكن، في حد ذاته، قد أحدث تحسنًا مماثلًا في الرأي العام في موريتانيا. والتفسير الأكثر ترجيحًا لهذا التحول منذ عام 2024 هو أن الحرب الحالية ولّدت تعاطفًا كبيرًا مع إيران.

ولا يمكن لنتائج موريتانيا وحدها أن تحدد ما إذا كان تحول مماثل قد حدث في بلدان أخرى، لكن هناك أسبابًا متعددة للاعتقاد بأن موريتانيا على الأرجح ليست حالة فريدة. فقبل عامين، لم تكن مواقف الموريتانيين تجاه إيران خارجة على التوجّه العام. فعندما طُلب منهم تقييم السياسات الخارجية لخامنئي، جاءت تقييمات موريتانيا في موقع الوسيط بين ثماني دول شملها الاستطلاع، إذ قدّم 24 بالمئة تقييمًا إيجابيًا. وكان هذا أقل بـ 13 نقطة من العراق، حيث كان الدعم في أعلى مستوياته، وأعلى بـ 15 نقطة من الكويت، حيث كان الدعم في أدنى مستوياته.
ومن بين الدول السبع التي شملها استطلاع الباروميتر العربي، حيث طُرح السؤال نفسه في خريف 2025 – أي قبل بضعة أشهر من قصف الولايات المتحدة وإسرائيل لإيران في 28 فبراير/شباط 2026، ولكن بعد حرب الأيام الاثني عشر في يونيو/حزيران 2025 – كان التأييد للسياسات الخارجية الإيرانية قد ارتفع بدرجات متفاوتة في دول مثل تونس (49 بالمئة)، والعراق (48 بالمئة). على أن التأييد لم يتجاوز النصف في أي من الدول التي شملها الاستطلاع. من هذه الزاوية إذن، تبدو موريتانيا، التي أُجري فيها الاستطلاع بعد اندلاع الأعمال العدائية في فبراير/شباط 2026، مختلفة بصورة لافتة عن الدول التي شملتها استطلاعات 2025: فهي تقيّم السياسة الخارجية الإيرانية بمستوى أعلى بـ 30 نقطة من أي دولة أخرى شملها الاستطلاع في أنحاء المنطقة. ومن الممكن أن تكون موريتانيا قد أصبحت – إحصائيًا – حالة شاذة. لكن بالنظر إلى موقعها السابق في وسط المجموعة، يبدو من الأرجح أن موريتانيا تكشف عن جزء على الأقل من تحول أوسع لم يجر قياسه بعد في أماكن أخرى.
لكن موريتانيا – من جوانب أخرى – لا تختلف بالكليّة عن المنطقة. ففي السنوات الأخيرة، راحت التقييمات الإيجابية للسياسة الخارجية للقيادة الإيرانية تزيد. مقارنة بالاستطلاعات التي أُجريت في 2023-2024، ارتفعت التقييمات الإيجابية بحلول أواخر 2025 بمقدار 17 نقطة في تونس، و15 نقطة في فلسطين، و12 نقطة في المغرب، و11 نقطة في العراق. ولم تبق التقييمات على حالها دون تغيير يُذكر إلا في الأردن ولبنان، وإن كانت التقييمات الحالية في كلا البلدين أعلى مما كانت عليه في استطلاعات أُجريت قبل خمس سنوات. باختصار، كان التأييد للسياسات الخارجية لخامنئي قد أخذ في الارتفاع في عدة دول عبر المنطقة حتى قبل حرب 2026، ما يعني أن ما تؤشر به النتائج الواردة من استطلاع موريتانيا هو الارتفاع اللافت في نسب تأييد إيران من بعد بداية الحرب.

ما الذي يبدو إذن أن الموريتانيين يفضلونه فيما يخص إيران؟ تشير البيانات إلى أن التعاطف المتزايد مع إيران لا يُترجم بالضرورة إلى تأييد للنفوذ الإقليمي الإيراني، أو لبرنامجها النووي، أو لنظامها السياسي. فما زال كثير من الموريتانيين يعبّرون عن مخاوف إزاء جوانب من القوة الإيرانية، ويبدون في الوقت نفسه تأييدًا قويًا للحكم الديمقراطي. إذن بدلًا من أن تعكس النتائج دعمًا للنموذج الداخلي الإيراني، يبدو أنها تعبّر عن تغير في تصورات دور إيران في النزاع الحالي، وحول مدى شرعية الإجراءات المتخذة ضدها. وبهذا المعنى، قد لا يقول هذا التحول الكثير عن الإعجاب بإيران في حد ذاتها، بقدر ما يكشف عن الطريقة التي يقيّم بها كثير من الموريتانيين المواجهة الإقليمية الأوسع.
في المُحصّلة، يشير توقيت هذا التحول وحجمه بقوة إلى حرب 2026 بوصفها المحرك المركزي له. فإسرائيل لا تحظى بشعبية كبيرة في موريتانيا، إذ لا يحمل سوى 4 بالمئة فقط نظرة إيجابية إليها. وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة كانت تتمتع بشعبية معقولة الحجم في 2021-2022، حين كان نصف المواطنين يحملون رأيًا إيجابيًا تجاهها، فإن هذا المستوى تراجع تراجعًا حادًا. وكما في كثير من دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الأخرى، انخفض التأييد للولايات المتحدة بصورة كبيرة في أعقاب حرب إسرائيل على غزة، إذ تراجع بمقدار 19 نقطة إلى 31 بالمئة في 2024. غير أنه، رغم خطة نقاط السلام العشرين في غزة التي رعتها الولايات المتحدة، وما ترتب عليها من وقف لإطلاق النار في القطاع، فقد تراجعت تقييمات الولايات المتحدة 11 نقطة إضافية لتصبح اليوم عند نسبة 20 بالمئة فقط.

وتدعم تصورات الالتزام باحترام القانون الدولي هذا التفسير أيضًا. فعلى الرغم من أن الولايات المتحدة تدعي دائمًا دعمها لنظام قائم على القواعد، فلا يعتقد سوى 31 بالمئة من الموريتانيين أن الولايات المتحدة ملتزمة باحترام القانون الدولي إلى حد كبير أو متوسط. في المقابل، يقول 65 بالمئة إن إيران ملتزمة باحترام القانون الدولي.
وتشير نتائج أخرى إلى الاتجاه نفسه؛ إذ لا يعتقد سوى 11 بالمئة من الموريتانيين بأن للولايات المتحدة تأثيرًا إيجابيًا في الغالب على الأحداث في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بينما يقول 5 بالمئة فقط الشيء نفسه عن إسرائيل. أما عند السؤال عن إيران، فيقول 61 بالمئة إن لها تأثيرًا إيجابيًا على الأحداث في المنطقة.
حتى الآن، لم يستطع الباروميتر العربي قياس حجم هذه التحولات التي أعقبت الحرب إلا في بلد واحد، لكن النتائج قد تكون نذيرًا بما هو آتٍ. فعلى أقل تقدير، تقدم موريتانيا أوضح مؤشر متاح قائم على بيانات استطلاع رأي عام لما قد يكون جارياً في أماكن أخرى من المنطقة العربية، حتى وإن لم تُتح بعد بيانات أخرى مماثلة من دول أخرى يمكن استخدامها لعقد مقارنات.
على مدار عقود، ظل التأييد لإيران ولسياساتها الخارجية بين سكان المنطقة منخفضًا نسبيًا، وهو ما حدّ من الدعوات إلى التقارب مع الجمهورية الإسلامية. وإذا بات يُنظر إلى إيران الآن بوصفها رمزًا للمقاومة في وجه العدوان الأمريكي والإسرائيلي، فقد تصبح قطاعات من الرأي العام في أنحاء من المنطقة أكثر انفتاحًا على التقارب مع طهران، وأقل تقبلًا للجهود الأمريكية الرامية إلى عزلها.
ويفاقم من هذا التحدي تراجع مصداقية الولايات المتحدة الأمريكية في أعين المواطنين بالمنطقة فيما يخص القانون الدولي والتزامها به. فطالما الناس يرون أن الولايات المتحدة الأمريكية تكيل بمكيالين في تطبيق القانون الدولي، فمن المرجح أن تصبح الجهود الأمريكية والإسرائيلية لتصوير إيران بصفتها طرف مارق خارج على القانون الدولي أقل إقناعًا للجماهير على مستوى العالم.
سوف تكشف الأيام عمّا إذا كان الرأي العام الموريتاني هو النموذج المبكّر الذي سيلحق به الرأي العام في دول المنطقة الأخرى، فيما يخص الملف الإيراني. لكن ما تكشف عنه هذه البيانات بوضوح هو أدلة واضحة – هي الأولى من نوعها – عن كيف قد تؤثر الحرب على الرأي العام في العالم العربي، وهي مؤشر مبكّر يُظهر أن أحد أهم عواقب النزاع ربما سيكون الزيادة الكبيرة في مشروعية إيران الإقليمية.

