كيف تعيد غزة تشكيل الرأي العام العربي حول إيران وخامنئي

مع استمرار الحرب بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية في إعادة تشكيل الشرق الأوسط، فإن بيانات استطلاعات الرأي الأخيرة التي أجراها الباروميتر العربي في خريف 2025 تسلّط الضوء على كيف يرى الرأي العام بالشرق الأوسط وشمال أفريقيا التهديدات والتحالفات والتغيّرات التي تشهدها المنطقة. فعبر العالم العربي، ما زال العديد من الناس يرون خطورة في البرنامج النووي الإيراني والنفوذ الإقليمي لإيران. على ذلك، أعربت أعداد متزايدة عن دعم إيران وخصوصًا السياسات الخارجية للمرشد الراحل علي خامنئي، بسبب دعم إيران القوي للقضية الفلسطينية في خضم حرب إسرائيل في غزة. ولقد تبين أن هذه التغيّرات في الرأي كانت في صفوف السنة والشيعة على السواء، ما يعني أن الرأي العام ربما يشكّله سعي الناس في المنطقة إلى إحقاق العدالة لغزة أكثر مما تشكّله الهوية.

قبل حرب غزة، كانت شعبية إيران ضعيفة عند الرأي العام العربي. ففي فترة 2021 – 2022 بلغت نسبة استحسان السياسات الإيرانية بالمنطقة 30 بالمئة أو أقل عبر مختلف الدول التي أجري فيها الاستطلاع، في حين نالت سياسات خامنئي نسب دعم أقل في ثمانية بلدان من عشرة أجريت فيها الاستطلاعات. وفي الوقت نفسه، أعربت الجماهير العربية عن قلق عميق إزاء برنامج إيران النووي ونفوذها السياسي. وفي 8 من 10 دول شملها الاستطلاع، قال نصف المبحوثين على الأقل إن برنامج إيران النووي يمثل تهديدًا. واعتبر 4 من كل 10 أشخاص في 9 من عشر بلدان شملها الاستطلاع أن نفوذ إيران السياسي يمثل تهديدًا للأمن الوطني.

لم يكن التغيّر الأساسي من بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول هو تحوّل الصورة الإقليمية لإيران، بل إن السياق السياسي المحيط بهذه الصورة الإقليمية هو الذي تغيّر. فالحملة العسكرية لإسرائيل في غزة والتصعيد الأعمّ عبر المنطقة قد بدّلا من رؤية الجماهير العربية للأطراف الإقليمية والدولية. فإيران قد أقرنت خطابها الداعم لغزة بالمساعدات الإنسانية، بما يشمل الدعم الموجّه للمدنيين الفلسطينيين، لكن مسلك إسرائيل في غزة زاد من بروز القضية الفلسطينية مع ظهور صور من الحرب على شاشات التلفزة ومواقع التواصل الاجتماعي عبر المنطقة. نتيجة لذلك، زاد دعم الرأي العام العربي للسياسات الخارجية للمرشد الإيراني الراحل بنسب أكبر من نسب زيادة شعبية الدولة الإيرانية نفسها.

وهذه النقطة واضحة من البيانات: بحلول عام 2025 زادت نسب استحسان إيران بقدر ليس بالقليل في العراق (بلغ 20 نقطة مئوية إضافية) وفلسطين (بواقع 12 نقطة مئوية إضافية)، في حين لم تكن زيادات هذه النسب في كل من لبنان والأردن فوق نسبة طفيفة في نطاق هامش الخطأ الخاصة بالاستطلاع. لكن دعم سياسات خامنئي الخارجية زاد بنسب أكبر وبشكل أكثر حدّة على مدار الفترة نفسها: فقد زاد بواقع 29 نقطة مئوية في تونس، و20 نقطة في كل من العراق وفلسطين، و12 نقطة في المغرب. أي أن شعوب المنطقة لم تُقبّل فجأة على تفضيل الدولة الإيرانية، إنما يبدو أن التقييمات الإيجابية التي استجدت كانت موجّهة إلى السياسات الخارجية لإيران بشكل خاص.

يجدر بالملاحظة أن هذه التغيّرات في الرأي العام قد طرأت رغم القلق العميق إزاء مجمل السياسات الإيرانية. ففي أواخر 2025، قال 6 من كل 10 مبحوثين على الأقل في خمس دول من السبع التي شملها الاستطلاع إن النفوذ السياسي الإيراني بالمنطقة يمثل تهديدًا خطيرًا، في حين قال 4 من كل 10 أشخاص الشيء نفسه في الدولتين الأخيرتين. وكان قلق الناس من البرنامج النووي الإيراني أكبر، حيث قالت أغلبيات في جميع البلدان السبع التي شملها الاستطلاع إنه يمثل تهديدًا خطيرًا، وبلغت النسب 85 بالمئة في سوريا و75 بالمئة في مصر و73 بالمئة في الأردن. أي أن التقدير الإيجابي لإيران وخامنئي لم يكن تقديرًا عامًا وشاملًا؛ فقد زادت نسب شعبية سياسات خامنئي الخارجية رغم المخاوف من البرنامج النووي الإيراني ودعم إيران لوكلاء لها عبر المنطقة، وهي سياسات لم تحظ بتقدير الرأي العام.

إن التفسير المُرجَّح هو أن الرأي العام العربي يثمّن دعم إيران لغزة أكثر بكثير مما يدعم سياسات إيران النووية أو نفوذها السياسي الإقليمي. ويظهر هذا بجلاء عندما ننظر إلى الآراء العربية تجاه إسرائيل؛ ففي ست من سبع دول شملها الاستطلاع، قال 80 بالمئة على الأقل إن الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية يمثل تهديدًا خطيرًا. حتى في المغرب – الاستثناء الوحيد – قال المثل 63 بالمئة من المبحوثين. ورغم استمرار انعدام ثقة الرأي العام العربي في السياسات الإيرانية، فإن مسلك إسرائيل في غزة قد أصبح بلا شك العدسة التي يقيّم من خلالها الرأي العام في الكثير من بلدان المنطقة سياسات القوى الإقليمية المختلفة.

إذن فالتفسير الأقرب للصحة لظاهرة تنامي دعم السياسات الخارجية الإيرانية ليس إيران نفسها، إنما إقرار الناس بدعم الأخيرة للقضية الفلسطينية. ففي خمسة من ثمانية بلدان شملها الاستطلاع، قال النصف على الأقل إن إيران ملتزمة بالدفاع عن الحقوق الفلسطينية، وبلغت هذه النسبة 77 بالمئة في لبنان و62 بالمئة في كل من العراق وتونس و52 بالمئة في مصر و51 بالمئة في فلسطين. فقط في الأردن والمغرب وسوريا قلّت النسبة عن الأغلبية. عبر المنطقة إذن، تضع هذه الأرقام إيران إلى جانب دول مثل قطر والسعودية، وهي الدول التي يعتبرها الرأي العام العربي أشدّ الأطراف دعمًا للقضية الفلسطينية.

ومن المُلاحظ أن هذه التغيّرات في الرأي العام لا تقتصر على الدول التي فيها أعداد كبيرة من الشيعة. فحتى في بلدان الأغلبية السنية زاد دعم السياسات الخارجية الإيرانية. إنّ هذه نتيجة تُدلّل على نقطة محورية في تغيرات الرأي العام: أن التغير الراهن لا تحركه الهوية الطائفية بقدر ما تحركه آراء الناس حول سياسات الدول إزاء الحرب في غزة. بخصوص إيران، يعكس الرأي العام عبر المنطقة بقدر متزايد التوازن بين القلق من إيران كتهديد محتمل، في مقابل الآراء حول غزة كقضية انعدام للعدالة. إذن فالسياسات الإسرائيلية تجاه غزة قد قرّبت الرأي العام العربي أكثر من إيران، من باب أن عدو عدوي صديقي.

يبقى القول أن استمرارية هذه التوجهات للرأي العام تعتمد بالأساس على تطوّرات الحرب مع إيران. فالرأي العام بالمنطقة لا يُرجَّح أن يستحسن الهجمات الإيرانية على دول الخليج، لكن إذا نُظر إلى إسرائيل كطرف معتدي في هذه الحرب، فقد يستمر الرأي العام في تغيراته على منوال يُضيّق مساحة الاختلاف السياسي بين الرأي العام العربي والسياسات الإيرانية. إذا لامت الجماهير العربية إسرائيل على بدء هذه الحرب ورأت إيران ضحية أخرى للهجمات الإسرائيلية، فمن الممكن أن تدفع الحرب الرأي العام أكثر نحو مزيد من التعاطف مع الجانب الإيراني وربما نحو دعمه.