مشكلة انعدام الأمن الغذائي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا منتشرة على نطاق واسع. توضح آخر بيانات الباروميتر العربي أن أجزاءً كبيرة من سكان المنطقة يعانون في توفير احتياجاتهم الغذائية. واليوم، تهدد الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، بدفع ملايين الناس أقرب إلى الجوع، لتحول المشكلة القائمة إلى أزمة حادة.
يتكشف حجم التحدي من الاستطلاعات التي أجراها الباروميتر العربي بين أغسطس ونوفمبر 2025 في مصر والعراق والأردن ولبنان والمغرب وفلسطين وسوريا وتونس. في ست من الدول الثمانية المستطلعة، يذكر النصف على الأقل نفاد الغذاء لديهم دون توفرهم على المال اللازم لشراء المزيد. في معظم الدول، يتحدث الثلث على الأقل عن تخطيهم لإحدى الوجبات اليومية الرئيسية بسبب المشاكل المادية. لا تعكس هذه الأنماط صعوبات مؤقتة، بل تعكس أوجه ضعف هيكلية عميقة.

لم تتسبب الحرب الدائرة اليوم في هذا المستوى من انعدام الأمن الغذائي، ولكنها قطعًا تفاقم المشكلة. عقب الهجمات الأمريكية والإسرائيلية على إيران في أواخر فبراير، قررت طهران إيقاف حركة السفن في مضيق هرمز، الممر المائي الذي يعبر من خلاله قرابة 20 بالمئة من مجموع الغاز والنفط العالمي. الزيادة الناتجة عن ذلك في سعر برميل النفط رفعت مباشرة تكاليف النقل وإنتاج الغذاء في جميع أنحاء العالم، كما أدت إلى عرقلة توفير السمادات، مما تسبب في تبعات واضحة على أسعار الغذاء بالنسبة للأسر عبر المنطقة.
المخاطر كبيرة. حذر برنامج الغذاء العالمي من أن الصراع الدائر حاليًا قد يدفع بما يقارب 45 مليون شخص إضافيين إلى حدود الجوع عالميًا؛ نسبة كبيرة من هؤلاء يعيشون في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أحد الأقاليم الأشد تأثرًا بالصدمات الخارجية.
في اقتصادات تعاني من التضخم مسبقًا، من المتوقع أن تدفع هذه الضغوط الإضافية أسرًا أكثر نحو انعدام الأمن الغذائي. عبر المنطقة، بدأت الأسر في تحسس هذا الأثر في حياتهم اليومية. في مصر، على سبيل المثال، اتخذت السلطات خطوات تستهدف احتواء العواقب الاقتصادية للصراع، بما في ذلك تقليل ساعات العمل ورفع أسعار الوقود والمواصلات. بينما تهدف هذه الإجراءات لتعزيز استقرار الاقتصاد، فإنها تخاطر بمضاعفة الضغوط على قطاعات هشة من الشعب.
حتى قبل الحرب الأخيرة، عبّر ستة من كل عشر مصريين عن مخاوف متكررة إزاء قدرتهم على تأمين ما يكفي من الغذاء، كما قال النصف إنهم تخطوا بعض الوجبات اليومية الرئيسية بسبب قلة الموارد المالية. يُنظر إلى التضخم على أنه المشكلة الاقتصادية الأهم في البلاد من قِبل 45 بالمئة من المصريين. بينما ترتفع الأسعار أكثر، من المتوقع أن تزداد حدة الضغوط على إمداد الغذاء في البلاد.
نقاط الضعف الهيكلية في المنطقة تضاعف هذه المخاطر. كثير من دول المنطقة هي من أكثر دول العالم اعتمادًا على استيراد الغذاء، مما يجعلها أكثر تأثرًا بصدمات الأسعار العالمية وعرقلة الإمداد. بحسب منظمة الأغذية والزراعة (الفاو)، يمكن أن يؤدي استمرار الصراع إلى عرقلة خطوط الإمداد، متسببًا في شح مخزون الغذاء، خصوصًا في الدول التي تعتمد على الغذاء المستورد.
تظهر هذه المخاطر جلية في العراق. يستورد البلد قرابة 70 بالمئة من استهلاكه الغذائي، مع اعتماد كبير على الاستيراد من إيران، بما في ذلك القمح ومنتجات الألبان. قبل الصراع الحالي، عبرت نسب كبيرة من العراقيين عن انعدام الأمن الغذائي لديها، في ظل معاناة الكثير من الأسر لضمان وصول ثابت للغذاء وإعراب النصف تقريبًا عن قلقهم إزاء قدرتهم على توفير ما يكفي من الطعام لعوائلهم. بالتالي، قد يتسبب اضطراب تدفق التجارة وغلاء الأسعار في عواقب فورية وشديدة.
من المهم أيضًا تذكر أن التأثير الكامل للحرب قد لا يظهر آنيًا. عادةً ما تتكشف آثار الاضطرابات في أنظمة الغذاء خلال الأشهر أو السنوات اللاحقة للحدث نفسه. قد يُترجم ارتفاع تكاليف المحروقات والسماد اليوم إلى انخفاض في المنتوج الزراعي والإمداد العالمي بعد أشهر. تحذر منظمة الفاو من أن هذه الديناميات قد ترفع أسعار الأصناف الرئيسية من الطعام، مثل القمح والأرز، بما يزيد من مصاعب الوصول إليها بالنسبة للفئات الضعيفة من الناس.
بالنسبة للمواطنين العاديين عبر المنطقة، يعني ذلك أن آثار الحرب قد تتفاقم عبر الزمن. ما هو غالي الثمن اليوم قد يصبح أغلى غدًا. تكشف بيانات الباروميتر العربي أن ملايين الأسر تعيش بدون هامش راحة مالي أو بهامش قليل جدًا. تُظهر نتائج استطلاعات الدورة الثامنة، والتي أُجريت بين خريف 2023 وربيع 2024، أن الغالبية في كل الدول المستطلعة تنظر إلى مسألة توفر الغذاء بأسعار معقولة هو مشكلة جدية. في منطقة يعاني الملايين من سكانها للحصول على ما يكفيهم من الطعام، حتى الارتفاع البسيط في الأسعار قد يتسبب في عواقب كبيرة.

تعكس هذه الأزمة القائمة اليوم واقعًا قاتمًا: انعدام الأمن الغذائي في المنطقة هو فشل هيكلي، وليس تقصيرًا فرديًا. هذه المشكلة مدفوعة بتلاقي القصور في السياسات الداخلية، مع الفجوة الاقتصادية، والهشاشة أمام الصدمات الخارجية. بينما يسبق هذا الفشل الأزمةَ الحالية، فإن الاضطرابات الناجمة عن الحرب تفاقم تبعاته.
من دون عمل عاجل، ستكون العواقب الواقعة على الأسر العادية وخيمة. على الحكومات أن تتحرك فورًا لتقوية أنظمة الحماية الاجتماعية، تعزيز القوة الشرائية، وضمان وصول الناس للسلع الغذائية الأساسية. بدون هذه الإجراءات، ستكون كل أزمة جديدة، سواء كانت داخلية أو خارجية، أشد وطأة من سابقاتها.

