أمريكا خسرت العالم العربي

حروب غزة وإيران والحروب الأخرى ألحقت بسمعة واشنطن ضررًا بالغًا… وربما للأبد

أماني أ. جمال: مشاركة في تأسيس الباروميتر العربي وباحثة أولى مشرفة على أعماله، وهي عميدة كلية مدرسة الإدارة الحكومية والعلاقات الدولية، وأستاذة كرسي إدوارد س. سانفورد للعلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة برنستون

مايكل روبنز: مدير وباحث أول مشرف على أعمال الباروميتر العربي.

إن كل من يعيشون في الشرق الأوسط تقريبًا قد تأثروا بسلسلة الأحداث التي بدأت في تحريكها حماس في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 بهجومها على إسرائيل. قُتل عشرات الآلاف من الناس، أغلبهم من أهالي غزة، ونزح الملايين، ووقعت أضرار تُقدّر بمليارات الدولارات. ليس من المدهش إذن أن رؤية عشرات الملايين من الناس للأحداث والأطراف الفاعلة فيها قد تغيّرت وتبدّلت.

استطلاعات رأي الباروميتر العربي – وهو مشروع لقياس الرأي العام عن طريق استطلاع الآراء – التي أجريناها بالتعاون مع آخرين، ونفذناها في الأشهر التي أعقبت 7 أكتوبر/تشرين الأول، أظهرت تغيرات كبيرة في توجهات الرأي العام. مع رؤية الناس عبر المنطقة لما أوقعته حرب إسرائيل من دمار في غزة، تغيّرت آرائهم بحدة ضد إسرائيل وأكبر حليف لها، الولايات المتحدة الأمريكية. أما استطلاعات الرأي التي أجريناها في كل من مصر والعراق والأردن ولبنان والمغرب والأراضي الفلسطينية وسوريا وتونس في الفترة من أغسطس/آب إلى نوفمبر/تشرين الثاني 2025 – بعد حرب الـ 12 يومًا من يونيو/حزيران الماضي وقبل جولة القتال الجديدة مع إيران – فقد أظهرت بوضوح أن التغيرات المرصودة في أعقاب 7 أكتوبر/تشرين الأول قد دامت وتعمّقت؛ فقد فقدت شعوب المنطقة كل ثقة كانت لديها في نظام إقليمي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية. وفي المجمل، تفضّل شعوب المنطقة الآن الصين وإيران وروسيا على الولايات المتحدة الأمريكية، وأوروبا في أغلب الحالات. أكثر من أي وقت مضى، يُنظر إلى واشنطن وكثير من حلفائها الرئيسيين، مقارنةً بهذا المحور من الأنظمة الاستبدادية، على أنهم منحازون إلى طرف واحد، ومثقلون بالمساومات الأخلاقية فيما يخص دعم أطراف على حساب أطراف، وملتزمون بالقانون الدولي على نحوٍ انتقائي. فعندما سُئل المبحوثون عن الدول التي تحمي الحريات، وتسهم في الأمن الإقليمي، وتدعم القضية الفلسطينية، اختاروا الصين وإيران وروسيا بنسب أعلى من اختيارهم الولايات المتحدة الأمريكية أو بعض شركائها.

إن هذا لا يعني أن الجماهير العربية تدعم سياسات بكين أو طهران أو موسكو دعمًا راسخًا. فهذه الجماهير – على سبيل المثال – ما زالت تعتبر النفوذ الإقليمي الإيراني وبرنامج إيران النووي تهديدات جسيمة. لكن ما يحدث هو تغيّر بوصلة الثقة السياسية بالمنطقة، ليس لأن الصين أو إيران أو روسيا قد شيدت نموذجًا جذابًا للكافة، إنما وقع التغيّر في اتجاهات الرأي العام المذكور بسبب التراجع الكبير والحاد في تقدير الولايات المتحدة الأمريكية، ومعها – إلى حد ما – أوروبا.

وليس من المُرجّح أن تساعد الحرب مع إيران في تغيير هذه التصورات الجديدة. فالنزاع قد بدأته الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، ومن خلاله جدّدت إسرائيل عدوانها على لبنان، وتعرضت دول الخليج لوابل من الصواريخ والمسيّرات. ومنذ بداية الحرب، لم يُحرز تقدم يُذكَر في ملف إعادة إعمار غزة، بل تبيّن زيادة غضب الجماهير العربية من الولايات المتحدة الأمريكية بحسب استطلاعات رأي خريف 2025 في المنطقة.

إن واشنطن والعواصم الأوروبية إذا استمرت في فقدان شعبيتها عند شعوب المنطقة، فربما تطرأ تغيّرات في علاقاتها بحكومات المنطقة. رغم أن أغلب القادة العرب سلطويون، فهم مشغولون باحتمال اندلاع احتجاجات جماهيرية، ومن ثمّ هم مقيَّدون بالرأي العام. وبالنسبة إليهم، يغدو العمل العلني مع الولايات المتحدة مخاطرةً متزايدة. لذلك، إذا كانت واشنطن تريد الاحتفاظ بشركائها العرب، فعليها أن تُنهي الحرب في إيران سريعًا، وأن تعمل على التوصل إلى حلّ عادل للنزاع الإسرائيلي-الفلسطيني. وإلا، فإن الولايات المتحدة الأمريكية تخاطر بأن تترك العالم العربي، بصورة دائمة، لخصومها.

السمعة السيئة

انهارت السمعة الأمريكية عندما بدأت الحرب في غزة، ولم تتحسن منذ ذلك الحين. في الواقع، فإن شعبية واشنطن أصبحت في أقل مستوى لها منذ سنوات طويلة. ففي أغلب الدول التي شملها الاستطلاع، ذكرت قلة من الناس أنها تستحسن السياسات الخارجية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وقد كان هذا بنسب 24 بالمئة في العراق و21 بالمئة في لبنان و14 بالمئة في تونس و12 بالمئة في كل من الأردن والأراضي الفلسطينية. وفي المغرب وسوريا فقط ذكرت نسب كبيرة أنها تستحسن ما يفعله ترامب في المنطقة، بنسب 63 و61 بالمئة على التوالي، والسبب المُرجّح هو أن ترامب قد اعترف بالسيادة المغربية على الصحراء الغربية (وهي أراضٍ متنازع عليها) ودعم الحكومة السورية الجديدة، التي وصلت إلى السلطة بعد أن أسقطت ديكتاتورًا دمويًا لم يتمتع بالشعبية.

وقد ساعد ترامب طبعًا على إنهاء الحرب في غزة إذ تفاوض على وقف إطلاق النار في شهر أكتوبر/تشرين الأول، لكن إدارته أقل شعبية بالمنطقة من الإدارة السابقة عليها، تحت قيادة الرئيس السابق جو بايدن. اليوم، في ظل قيادة ترامب، تتعرض أغلب بلدان الشرق الأوسط لهجمات. ليس من المدهش إذن أن 66 بالمئة من المبحوثين في مصر و59 بالمئة في الأردن و53 بالمئة في الأراضي الفلسطينية و51 بالمئة في كل من العراق وتونس و47 بالمئة في لبنان يرون أن سياسات ترامب الخارجية إزاء المنطقة العربية أسوأ من سياسات بايدن، وكان أداء إدارته في استطلاعات الرأي بالمنطقة – عمومًا – شديد السوء. في المغرب فقط (27 بالمئة) وسوريا (7 بالمئة) لا يُعبّر هذا الرأي عن أفكار الأغلبية.

وكانت الآراء في الاتحاد الأوروبي أفضل نوعًا مقارنة بالولايات المتحدة الأمريكية، وقد تراوحت نسب من استحسنوا سياساته الخارجية بين 70 بالمئة في سوريا والمغرب و34 بالمئة في الأراضي الفلسطينية والعراق ومصر. لكن سمعة الدول الأوروبية المختلفة تباينت كثيرًا. فإسبانيا وأيرلندا على سبيل المثال هما الأكثر شعبية نظرًا لدعمهما للفلسطينيين، وألمانيا أقل شعبية، بسبب تاريخها في دعم إسرائيل كما نفترض.

على النقيض، كانت شعبية الصين في 2025 فوق كل الأطراف الدولية الأخرى، فقد تراوحت بين 37 بالمئة في سوريا و69 بالمئة في تونس. أما روسيا الأقل شعبية من الصين، فقد كانت نسب استحسان سياساتها الخارجية أفضل من الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها، كما تبيّن من الاستطلاعات التي أجريت في مصر والعراق والأردن ولبنان والأراضي الفلسطينية وتونس. وكانت شعبية إيران أقل، بنسب أشد تباينًا؛ فهي تبلغ أعلى نسبة في تونس (55 بالمئة) وأقل النسب في سوريا (5 بالمئة) وهو البلد الذي دعمت فيه إيران لوقت طويل الحكم الغاشم للرئيس السابق بشار الأسد. لكن وبشكل عام، فنسب شعبية إيران تتحسن عبر بلدان المنطقة. فخلال السنوات الخمس الماضية زاد دعم الرأي العام لها في العراق بواقع 20 نقطة مئوية، وفي الأراضي الفلسطينية بواقع 12 نقطة. ولقد فاقت شعبيتها شعبية الولايات المتحدة الأمريكية في أغلب الدول التي استطلعنا آراء شعوبها.

كما ارتفعت كثيرًا معدلات التأييد في أنحاء العالم العربي لقادة الصين وإيران وروسيا. زاد الدعم لسياسة الزعيم الصيني شي جين بينغ تجاه الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بمقدار 26 نقطة مئوبة في تونس، و25 نقطة في الأردن والأراضي الفلسطينية، و19 نقطة في المغرب، و5 نقاط في العراق، وذلك على مدى السنوات الخمس الماضية. وتبلغ نسب تأييده في هذه البلدان الآن 61 بالمئة، و51 بالمئة، و43 بالمئة، و58 بالمئة، و53 بالمئة، على التوالي. وعلى الرغم من غزو الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لأوكرانيا، زاد أيضًا استحسان سياساته الخارجية، بمقدار 33 نقطة في المغرب، و20 نقطة في الأردن، و17 نقطة في تونس، و14 نقطة في الأراضي الفلسطينية. ويتجاوز تأييده 40 بالمئة في تونس والعراق. كما أن أغلبية صريحة من المغاربة (57 بالمئة) تنظر إليه نظرة إيجابية.

عدو عدوّي

لكن لعل النتيجة الأكثر إثارة للدهشة هي الزيادة الكبيرة في دعم السياسات الخارجية للمرشد العام السابق للثورة الإيرانية علي خامنئي الذي قتلته غارات جوية أمريكية-إسرائيلية في فبراير/شباط. على مدار سنوات، موّلت طهران وكلاءً زعزعوا الاستقرار في غزة والعراق ولبنان واليمن، وأثارت القلق في المنطقة من خلال برنامجها النووي. ونتيجة لذلك، كان نهج المرشد الإيراني علي خامنئي على الساحة الدولية يحصد عادةً مستويات تقدير متدنية جدًا في استطلاعات الرأي. لكن تحوّلت النظرة إليه مؤخرًا في كثير من البلدان، من آراء سلبية طاغية إلى مزيج من المواقف المتباينة. وتبلغ نسبة من ينظرون سلبًا إلى سياسة خامنئي الخارجية 87 بالمئة في سوريا، و63 بالمئة في لبنان، و60 بالمئة في الأردن، و56 بالمئة في المغرب، و47 بالمئة في الأراضي الفلسطينية، و45 بالمئة في العراق، و31 بالمئة في تونس. في المقابل، تبلغ نسبة من استحسنوا سياساته الخارجية 49 بالمئة في تونس، و48 بالمئة في العراق، و36 بالمئة في الأراضي الفلسطينية، و35 بالمئة في المغرب، و29 بالمئة في لبنان، و19 بالمئة في الأردن، و3 بالمئة في سوريا. فضلًا عن ذلك، شهدت المكانة الشخصية لخامنئي ارتفاعًا ملحوظًا خلال السنوات الخمس الماضية. وبمقارنة استطلاعات 2021-2022 بتلك التي أُجريت في 2025، تبيّن ارتفاع نسبة التأييد له بمقدار 29 نقطة مئوية في تونس، و20 نقطة في العراق والأراضي الفلسطينية، و12 نقطة في المغرب، و11 نقطة في الأردن، و5 نقاط في لبنان. ولم تنخفض هذه النسب في أي بلد تتوافر بشأنه بيانات كافية لتقدير اتجاهات الرأي.

ولا يعني هذا أن الناس في أنحاء العالم العربي غافلون عن التحديات التي تمثلها إيران؛ فما تزال أغلبيات كبيرة في عدة بلدان تصف البرنامج النووي الإيراني بأنه تهديد جسيم، وتتراوح هذه النسبة من 55 بالمئة في الأراضي الفلسطينية إلى 85 بالمئة في سوريا. كما يُنظر على نطاق واسع إلى النفوذ السياسي الإيراني في المنطقة بوصفه مشكلة كبرى، بما في ذلك من جانب أغلبيات في مصر والعراق والأردن ولبنان وسوريا. لكن ترى أغلبيات أكبر في هذه البلدان نفسها أن الاحتلال الإسرائيلي المستمر للأراضي الفلسطينية يشكل تهديدًا جسيمًا لأمنها القومي. إيران إذن آخذة في استعادة القدر الكبير من القبول، إلى حدّ بعيد، بسبب معارضتها لإسرائيل والتزامها بالقضية الفلسطينية.

وعلى النقيض، يزيد استهجان مسلك الولايات المتحدة الأمريكية بسبب علاقتها بالنزاع؛ إذ ترى الجماهير العربية بوضوح أنها مُنحازة إلى إسرائيل على حساب الفلسطينيين، ويصل هذا إلى نسبة 86 بالمئة من المبحوثين في مصر والأردن، و84 بالمئة في الأراضي الفلسطينية، و78 بالمئة في لبنان، و71 بالمئة في سوريا، و69 بالمئة في تونس، و58 بالمئة في العراق. ولا يُنظر إلى الاتحاد الأوروبي على أنه داعم لإسرائيل بالقدر نفسه، لكن الرأي العام العربي ما يزال يعتقد، في غالبه، أن الاتحاد الأوروبي مُنحاز إلى إسرائيل. على ذلك، فإن نظرة العرب إلى بعض الدول الأوروبية على وجه التحديد أكثر تباينًا. فألمانيا، على سبيل المثال، يُنظر إليها بصفتها أكثر التزامًا بالدفاع عن إسرائيل مقارنة بالتزامها بالدفاع عن حقوق الفلسطينيين، بفوارق واسعة في الأردن (35 بالمئة مقابل 16 بالمئة)، ولبنان (45 بالمئة مقابل 12 بالمئة)، والأراضي الفلسطينية (43 بالمئة مقابل 11 بالمئة)، وسوريا (36 بالمئة مقابل 17 بالمئة).

في الوقت نفسه، ترى الجماهير العربية – بشكل عام – أن إسبانيا أقل تحيّزًا في مواقفها من بلدان المنطقة؛ إذ رأى ما يقارب النسبة نفسها من المغاربة والعراقيين أن إسبانيا أكثر التزامًا بالدفاع عن الفلسطينيين (27 بالمئة) منها بالدفاع عن إسرائيل (29 بالمئة). وبين السوريين، بلغت النسبة 21 بالمئة مقابل 24 بالمئة. أما في بلدان أخرى، فقد بدا أن النظرة إلى إسبانيا تميل أكثر إلى اعتبارها ملتزمة بالفلسطينيين أكثر من التزامها بإسرائيل: 31 بالمئة مقابل 20 بالمئة في الأردن، و39 بالمئة مقابل 17 بالمئة في الأراضي الفلسطينية، و34 بالمئة مقابل 16 بالمئة في لبنان، و27 بالمئة مقابل 15 بالمئة في مصر، و42 بالمئة مقابل 12 بالمئة في تونس.

كما يسود في العالم العربي الاعتقاد بأن الأمم المتحدة متحيّزة لإسرائيل؛ إذ يقول 11 بالمئة من المبحوثين في الأراضي الفلسطينية ومصر، و14 بالمئة في تونس والأردن، و17 بالمئة في سوريا، و20 بالمئة في العراق والمغرب، و25 بالمئة في لبنان، إن الأمم المتحدة أكثر التزامًا بالدفاع عن الفلسطينيين منها عن إسرائيل. في المقابل، يرى نحو 40 إلى 50 بالمئة من المبحوثين في مختلف أنحاء المنطقة أن الأمم المتحدة أكثر التزامًا بالدفاع عن إسرائيل. والرسالة هنا واضحة: بالنسبة إلى كثير من المواطنين العرب، لم تعد المشكلة تقتصر على ازدواجية المعايير الأميركية، إنما باتت تكمن في إفلاس المنظومة القانونية والإنسانية الدولية بأكملها.

انهيار الشعبية

ليس من المدهش أن البلد الأقل شعبية عند الرأي العام العربي هو إسرائيل نفسها. ففي جميع الدول التي شملها الاستطلاع، لم تزد نسبة من أعربوا عن آراء إيجابية في إسرائيل عن 5 بالمئة، باستثناء المغرب حيث أعرب عن هذا الرأي الإيجابي 13 بالمئة. لا عجب إذن أن الجماهير العربية لا تثق بأي طرف انحاز إلى جانب إسرائيل في حرب غزة، التي تراها الشعوب العربية حربًا ظالمة ومدمرة.

ولم تتزحزح الجماهير العربية عن آرائها نحو إسرائيل. لننظر على سبيل المثال إلى الآراء في ملف تطبيع العلاقات مع إسرائيل. في الوقت الحالي، لم يعبّر أكثر من رُبع المبحوثين في أي من الدول التي شملها الاستطلاع عن الدعم لتطبيع حكوماتهم للعلاقات مع إسرائيل (في مصر والأردن على سبيل المثال عبّر عن هذا الرأي 4 بالمئة فقط). لكن حين سُئلوا عمّا إذا كانوا يؤيدون التطبيع في حال اعترفت إسرائيل بدولة فلسطينية، قفزت مستويات التأييد بمقدار 27 نقطة مئوية في سوريا، و26 نقطة في الأراضي الفلسطينية، و23 نقطة في الأردن، و19 نقطة في العراق، و18 نقطة في المغرب، و17 نقطة في لبنان. وفي الوقت نفسه، يحظى الدعم للخطة العربية لإعادة إعمار غزة، التي طُرحت لأول مرة في مارس/آذار 2025، بتأييد كاسح.

إلا أن سلوك إسرائيل في ظل حكومتها الحالية يجعل من تغيّر دفة الرأي العام العربي حولها مسألة غير مرجّحة إطلاقًا. ومن بين البلدان المشمولة بالاستطلاع، قالت الأغلبية في جميع البلدان – باستثناء المغرب – إن حل الدولتين هو أفضل سبيل لتسوية النزاع الإسرائيلي-الفلسطيني، وبلغت النسب 67 بالمئة في الأردن، و64 بالمئة في مصر وسوريا، و60 بالمئة في العراق، و59 بالمئة في الأراضي الفلسطينية، و51 بالمئة في لبنان. لكن إسرائيل، خلال السنوات القليلة الماضية، قضت عمليًا على أي فرصة لنجاح حل الدولتين؛ إذ سمحت للمستوطنات في الضفة الغربية بالتوسع إلى حدّ جعل الإقليم شبه مفتّت وغير متصل جغرافيًا. ومن هذا المنطلق، يعكس الغضب العربي تجاه واشنطن وحلفائها، من جهة، دعوةً إلى أصدقاء إسرائيل لمساءلتها عن انتهاكاتها، ويعبر، من جهة أخرى، عن إحباط عميق من إخفاقهم في القيام بذلك.

لكن الآراء السلبية نحو الولايات المتحدة الأمريكية تتجاوز موقف واشنطن من القضايا الفلسطينية. ولعلّ أكثر النتائج إدانة للولايات المتحدة هو فقدانها للشرعية على الساحة الدولية. فعندما سُئل المبحوثون عن الدول التي تلتزم بالقانون الدولي إلى حدّ كبير أو متوسط، كانوا أكثر ميلًا بكثير إلى اختيار الصين بدلًا من الولايات المتحدة. ففي مصر، على سبيل المثال – وهي واحدة من أبرز حلفاء واشنطن من خارج الناتو – يقول 25 بالمئة من الناس إنهم يعتقدون أن الولايات المتحدة تلتزم بالقانون الدولي، مقارنة بـ 58 بالمئة يقولون ذلك عن الصين. ومن بين البلدان التي أجري فيها الاستطلاع، لم تتقدّم الولايات المتحدة إلا في المغرب. وقد يكون هذا، إلى حدّ ما، مدفوعًا أيضًا بالشواغل المرتبطة بالفلسطينيين؛ إذ ترى نسب معتبرة من الرأي العام العربي، تتراوح من 26 بالمئة في المغرب إلى 44 بالمئة في لبنان، أن الصين أكثر التزامًا بالدفاع عن الفلسطينيين منها عن إسرائيل. (أما الاستثناء الوحيد فهو سوريا، حيث يقول 15 بالمئة ذلك). لكن هذه الأرقام ليست كبيرة. والأرجح أن تخلي الولايات المتحدة عن النظام القائم على القواعد هو ما له أبلغ الأثر في الرأي العام العربي. وهذا الأثر يطال أيضًا شركاء واشنطن؛ ففي معظم البلدان العربية، قال المبحوثون إن الاتحاد الأوروبي أقل التزامًا باحترام القانون الدولي من الصين، ويقف تقريبًا على قدم المساواة مع روسيا في تقدير الرأي العام العربي لمدى احترام هذا الطرف وذاك للقانون الدولي.

ولا ينظر الناس في البلدان العربية بالضرورة إلى الصين بصفتها قوة ليبرالية. لكنهم يرونها في موقع أخلاقي أعلى. فعندما سُئلوا عمّا إذا كانت السياسات الأمريكية أم الصينية أفضل في حماية الحريات والحقوق، اختار قلة من المبحوثين السياسات الأمريكية: 7 بالمئة في الأراضي الفلسطينية، و13 بالمئة في مصر، و15 بالمئة في تونس، و17 بالمئة في لبنان، و19 بالمئة في الأردن، و25 بالمئة في العراق، و29 بالمئة في المغرب. في المقابل، جاءت نسبة من اختاروا السياسات الصينية أعلى بكثير؛ إذ تراوحت بين 28 بالمئة في لبنان و43 بالمئة في تونس. (أما البقية فقالوا إما إن السياسات الصينية والأمريكية جيدة بالقدر نفسه، أو سيئة بالقدر نفسه، أو إنهم لا يعرفون أي السياسات أفضل).

وكانت أعلى النسب من نصيب الصين أيضًا في ملفات الأمن. فلدى السؤال عمّا إذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية أم الصين هي صاحبة أفضل سياسة في الحفاظ على الأمن الإقليمي، اختار الولايات المتحدة الأمريكية 6 بالمئة فقط في مصر والأراضي الفلسطينية، و9 بالمئة في الأردن، و13 بالمئة في تونس، و19 بالمئة في لبنان، و22 بالمئة في العراق، و23 بالمئة في المغرب. وقد حازت الصين على نسب أعلى بكثير: 46 بالمئة في تونس، و43 بالمئة في الأردن، و40 بالمئة في الأراضي الفلسطينية، و38 بالمئة في العراق، و36 بالمئة في مصر والمغرب، و26 بالمئة في لبنان. ولم تبد البقية – بخلاف من استحسنوا سياسات هذا الطرف أو ذاك – رأيًا أو هم رأوا أن السياسات الأمريكية والصينية على نفس القدر من الجودة أو السوء. وفيما يخص النزاع الإسرائيلي-الفلسطيني تحديدًا، كانت الآراء أشد حدة: فقد قال 3 بالمئة في مصر و9 بالمئة في الأراضي الفلسطينية و10 بالمئة في الأردن وتونس و12 بالمئة في لبنان و20 بالمئة في العراق والمغرب أنهم يفضّلون السياسات الأمريكية تجاه النزاع الإسرائيلي-الفلسطيني.

هل ستتغير اتجاهات الرأي؟

إن التحذير الذي أطلقته بيانات الباروميتر العربي الأخيرة واضح: الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا تخسران قلوب وعقول الناس في المنطقة. إنهما تخسران تصوّرات الناس حول قيامهما بحماية حقوق الإنسان بأي شكل من الأشكال. فعلى مدار السنوات الأخيرة، أصبح الرأي العام العربي يميل أكثر من أي وقت إلى الاعتقاد بأن أمريكا وأوروبا قد خذلتا الفلسطينيين، وأخفقتا في إنفاذ القانون الدولي، وفي حماية النظام العادل القائم على القواعد. ومن المُرجّح أن تُلحق الحرب في إيران مزيدًا من الضرر بسمعة الولايات المتحدة وإسرائيل. ورغم أن الدول الأوروبية لم تنضم إلى القتال في إيران، فقد يُنظر إليها، إلى حدّ ما، على أنها شريكة بحكم الارتباط، وإن كان من غير المُرجّح أن تتضرر سمعتها بنفس مقدار تضرر سمعة الولايات المتحدة الأمريكية.

طالما بقيت غزة المقياس الأوضح لتقييم المواقف الأخلاقية والسياسية في نظر المواطنين العرب، فسوف تحتفظ الصين وإيران وروسيا بالتفوق الأخلاقي. ولن يساعد واشنطن تقويضها للنظام والقانون الدوليين بشكل عام. ورغم أن بكين وموسكو كانتا تاريخيًا أقل حضورًا في الشرق الأوسط مقارنة بواشنطن – باستثناء الوضع في سوريا ربما – فسوف تدعم الشعوب العربية قادة هذين البلدين على حساب دعمهم للنظام الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية.

وقد تبدأ الحكومات العربية في إعادة توجيه دفّة علاقاتها على هذا الأساس. فعلى سبيل المثال، قد يرغب المسؤولون العرب في توسيع تعاملاتهم الاقتصادية مع الصين وروسيا، وإقامة شراكات دفاعية أقوى معهما، أو الانضمام إلى التكتلات متعددة الأطراف التي يقودها الطرفان. وفي الواقع، بدأت الحكومات العربية بالفعل في الابتعاد عن الولايات المتحدة، وتحاول إخفاء بعض تعاملاتها مع واشنطن. وفي الفترة التي سبقت الحرب في إيران، حذّر قادة الخليج النظراء الأمريكيين من شن هجوم آخر. ومع ذلك، تجاهلت الولايات المتحدة هذه المخاوف. ومع تكبّد دول الخليج أضرارًا جسيمة نتيجة الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، بات بعض القادة يفكرون في سحب استثماراتهم المالية من المؤسسات الأمريكية.

على أن مستقبل واشنطن وأوروبا في الشرق الأوسط لم يُحسم أمره. فإذا غيّرت الولايات المتحدة الأمريكية وأصدقاؤها من نهجهم، فربما تُبعث الحياة في سمعتهم. هناك دولة أوروبية – هي فرنسا – بدأت تغيّر نهجها، وقد عادت سمعتها تتحسن في أوساط الشعوب العربية بعد أن ساءت في أعقاب 7 أكتوبر/تشرين الأول. في أواخر 2025، زاد التأييد لفرنسا بمقدار 11 نقطة مئوية في تونس، و10 نقاط في المغرب، و7 نقاط في لبنان، مقارنة بما كان عليه قبل عامين. وكان التفسير الواضح الوحيد لهذا التحول هو اعتراف باريس الرسمي بدولة فلسطينية في سبتمبر/أيلول 2025. وعلى الرغم من أن هذا التغيير كان، إلى حدّ كبير، ذا طابع رمزي، فإنه ترك أثرًا ملموسًا في الرأي العام العربي.

إذن، هل يستمر تراجع التأييد لواشنطن؟ هل سيستقر عند مستواه الحالي؟ هل سيتعافى التأييد مجددًا؟ سوف تتوقف إجابة هذه الأسئلة على المسؤولين الأمريكيين. وستكون الطريقة التي يديرون بها الحرب في إيران، وكيفية تعاملهم مع غزة، وما إذا كانوا يقدرون على إيجاد تسوية سلمية للنزاع الإسرائيلي-الفلسطيني الأوسع، عوامل حاسمة في السنوات المقبلة. وأفضل ما يمكنهم فعله هو العمل سريعًا على إنهاء الحرب في إيران، وممارسة الضغط على إسرائيل لمنح الفلسطينيين حقوقهم الأساسية، ثم سيادتهم في نهاية المطاف. وبعبارة أخرى، إذا أرادت الولايات المتحدة الأمريكية ترميم صورتها، فعليها أن تجعل أفعالها منسجمة مع المبادئ التي طالما أعلنت التزامها بها: احترام القانون الدولي، ودعم حقوق الإنسان، والديمقراطية، والنظام القائم على القواعد. وعليها أن تطبق هذه المبادئ لا فقط حين تخدم مصالحها – كما في أوكرانيا – إنما بشكل متّسق وفي مختلف أنحاء العالم.

يمكن قراءة المقال الاصلي باللغة الانجليزية على موقع فورين أفيرز