بيان صحفي: عامان من الحرب في غزة يعيدان تشكيل أولويات الفلسطينيين وتوجهاتهم السياسية ومعاييرهم الاجتماعية

المواطنون يعيدون النظر في كيفية إدارة الضفة الغربية، وأهالي غزة يسعون إلى قيادة بديلة

بعد عامين على بداية الحرب في غزة، يعكس الرأي العام الفلسطيني مجتمعًا تغيّر بشكل عميق. فالدورة الأحدث من استطلاع الباروميتر العربي (الدورة التاسعة) التي أجريت في الضفة الغربية وقطاع غزة في الفترة من 8 إلى 26 أكتوبر/تشرين الأول 2025 توصلت إلى تغيّرات كبيرة في القضايا التي تشغل الفلسطينيين، إذ تحوّلت الأولويات من التركيز على النمو الاقتصادي إلى احتياجات البقاء الأساسية، مع  تراجع مستوى الرضا عن الإدارة الحكومية، وارتفاع مستويات المشاركة السياسية وتنامي الإحساس بانعدام اليقين فيما يخص المستقبل.

تعكس توجهات الرأي العام سلسلة من التوترات المنطوية على تناقضات: الالتزام بالديمقراطية من حيث المبدأ إلى جانب ارتفاع معدلات دعم القيادة القوية، وتصاعد الاهتمام بالسياسة في خضم تراجع الثقة في توفّر الحريات المدنية، وانتشار الإحساس بالإحباط من القيادة الحالية. لقد تراجع الدعم الشعبي لفتح بشكل حاد، وما زالت حماس تحتفظ بقواعدها إلى حد بعيد، وأصبح الاغتراب السياسي موقفًا مهيمنًا. وفي الوقت نفسه، تغيرت المعايير الاجتماعية نحو الاتجاه المحافظ بقدر أكبر.

يركّز هذا التقرير الأول على الإدارة الحكومية وديناميات السياسة المحلية، بالأساس في الضفة الغربية. بسبب ظروف الحرب، فالنتائج الواردة من غزة في هذا البيان تقتصر على الآراء الخاصة بالثقة في المؤسسات السياسية ومؤسسات المساعدات الإنسانية. سوف تفحص تقارير تالية للباروميتر العربي الأوضاع في غزة بشكل أعمق، وسوف تتناول أيضًا الآراء والتوجهات نحو فرص السلام والعلاقات الدولية.

الأطر العامة والنتائج الأساسية:

من النمو إلى البقاء: الحرب تعيد تشكيل الأولويات في الضفة الغربية

  • الاحتياجات الأساسية أصبحت أهم من النمو الاقتصادي. قبل حرب غزة، في عام 2023، كان النمو الاقتصادي هو الشاغل الأول للناس في الضفة الغربية (بنسبة 25%). وفي عام 2025، تغيرت الأولويات: ارتفع التعليم في ترتيب المواطنين للأولويات من نسبة 25% إلى 30%، ليتفوق على الانشغال بالاقتصاد، بينما ارتفعت أولوية الصحة من 13% اعتبروها الشاغل الأساسي إلى 15%، ما يعكس تنامي التركيز على احتياجات البقاء الأساسية والاحتياجات الاجتماعية.
  • تزايد الاحتياجات وتراجع مستوى الرضا. مع تحوّل التعليم والصحة إلى مرتبة الشواغل ذات الأولوية، تبين تراجع مستوى الرضا عن الأداء الحكومي في هذين القطاعين: فالرضا عن المنظومة التعليمية تراجع بحدة من 44% في 2023 إلى 21% في 2025، والرعاية الصحية انخفضت من 53% إلى 47%. وفي المجمل، تراجع الرضا عن الأداء الحكومي بدرجة طفيفة من 32% إلى 29%، ما يسلّط الضوء على اتساع الفجوة بين احتياجات الناس وقدرات الدولة.
  • استمرار التشاؤم وزيادة الإقبال على الرغبة في الهجرة. استمر تراجع مستوى الثقة في أداء السلطة الفلسطينية في التعامل مع ملفات البطالة (13%) والتضخم (11%) وتقليل فجوة اللامساواة (14%)، في حين زادت نسبة الإقبال على الرغبة في الهجرة زيادة طفيفة، من 21% في 2023 إلى 24% في 2025، والدوافع تتراوح بين الاقتصاد (71%) والأمن (38%) والسياسة (37%).

مفارقة الحُكم: استمرار الإيمان بمبادئ الديمقراطية وتآكل الثقة فيها على مستوى الممارسة

  • تزايد المشاركة السياسية في خضم الأزمة، لكن الحريات المدنية ما زالت هشّة. أدت حرب غزة إلى زيادة في الاهتمام بالسياسة في الضفة الغربية، وقد زادت نسبة المهتمين بالسياسة من 29% في 2023 إلى 39% في 2025. وفي الوقت نفسه، تراجع مستوى الثقة في ضمان الحريات الأساسية بشكل حاد: فقد أصبحت نسبة من يرون أن حرية التعبير مضمونة 16% بعد أن كانت 27% في 2023، وقال 13% فقط الشيء نفسه عن الحق في التظاهر، مقارنة بـ 25% قبل عامين. وبينما ما زالت الأغلبية – الحذرة – تفضّل الإصلاح التدريجي، فالدعم لاتخاذ الساسة للقرار بشكل سريع وحاسم قد ارتفع من 32% إلى 38%.
  • الديمقراطية من حيث المبدأ، والقيادة القوية من حيث الممارسة. ما زال الفلسطينيون في الضفة الغربية يرون أن الديمقراطية هي أفضل نظام للحكم، وذلك بنسبة مستقرة تبلغ 60%، لكنهم في الوقت نفسه يدعمون فكرة القيادة القوية القادرة على ضمان الاستقرار – ولو على حساب الديمقراطية – وقد ارتفعت نسبة المؤيدين لهذه الفكرة من 41% في 2023 إلى 51% في 2025. في الوقت نفسه، يرى 68% أن طبيعة النظام السياسي أقل أهمية من قدرة الحكومة على حل المشكلات الاقتصادية. ولقد تدهورت الآراء في النظم الديمقراطية الغربية: فقد تراجع التصنيف الإيجابي للنظام الديمقراطي الأمريكي من 57% إلى 42%، وفي ألمانيا من 56% إلى 42%، ما يعكس تزايد الارتياب في فعالية الديمقراطية في أوقات الأزمات.

إعادة الاصطفاف السياسي بسبب انهيار فتح وانتشار الاغتراب السياسي، وليس بسبب توسّع حماس

انهيار فتح وتشظّي الدعم الانتخابي

  • يظهر من معدلات الانتماء للفصائل والدعم الانتخابي التي رصدها الاستطلاع التراجع الحاد في دعم فتح. في 2023، كانت فتح هي الفصيل الأكثر تفضيلًا في الضفة الغربية، لكنها تخلّفت وراء حماس في عام 2025. حصدت حماس نسبة تفضيل بلغت 24% من المبحوثين، بعد أن كانت 17% قبل الحرب، في حين تراجعت نسبة فتح بقوة إلى 18% بعد أن كانت 30%. وظلت نسب الفصائل الأصغر كما هي دون تغيير، عند مستوى 7%. لكن الطيف الأكبر من المبحوثين هم من يشعرون بالاغتراب السياسي، إذ قال أكثر من نصف السكان (51%) إنهم لا يشعرون بأن أي فصيل يعبّر عنهم.
  • وتعكس نتائج الانتخابات التشريعية الافتراضية هذه الأنماط للرأي؛ إذ تراجعت القاعدة الانتخابية لفتح إلى النصف تقريبًا في الضفة الغربية، لتصبح 14% في 2025 بعد أن كانت 23% قبل الحرب في 2023. وتضاعفت تقريبًا نسبة دعم حماس في الضفة، من 9% إلى 17%،  وظلت ثابتة في غزة بواقع 22%، ما يعزز من وضعها بصفتها الفاعل السياسي القائم والثابت لكن دون توسّع. وما زالت نسب الإحجام عن المشاركة كبيرة؛ إذ قال 47% في الضفة و32% في القطاع إنهم لا يرغبون في التصويت في انتخابات.

الضفة الغربية: انقسام الثقة في الأطراف السياسية مع تصاعد الثقة في المجتمع المدني والشرطة

  • ما زالت معدلات الثقة في السلطة الفلسطينية ضعيفة، في ظل تصاعد الثقة في حماس. في الضفة الغربية، ما زالت الثقة في حكومة السلطة الفلسطينية منخفضة، بواقع 23%، وقد ارتفعت ارتفاعًا طفيفًا من 19% في 2023، ما يعكس محدودية تأثير عملية “الالتفاف حول العلم” التي تميل للحدوث أثناء الأزمات والحروب. وما زالت معدلات انعدام الثقة في الرئيس محمود عباس عالية بواقع 77% (زادت خمس نقاط مئوية). على النقيض، زادت الثقة في حماس بشكل كبير، من 18% إلى 46%، لكن لم تُترجم هذه الزيادة إلى دعم انتخابي أعرض (حاليًا بواقع 17%).
  • وقد ارتفعت مستويات الثقة في الأطراف غير السياسية. في الضفة الغربية، زادت الثقة في الشرطة الفلسطينية بشكل ملحوظ، لتبلغ 47% بعد أن كانت 38%، في حين بلغ مستوى الثقة في قوات الأمن الوطني 39% (بعد أن كانت 34%)، لكن تبقى معدلات انعدام الثقة في هذه القوات الأمنية مرتفعة، ما يعكس تصورات الرأي العام بأنها أقل فعالية في مواجهة المستوطنين الإسرائيليين. وارتفعت مستويات الثقة في المحاكم إلى 34% (من 27%) والقيادات الدينية (25% بعد أن كانت 19%). وزادت الثقة في منظمات المجتمع المدني بواقع 11 نقطة مئوية لتبلغ 38%.

أهالي غزة يتطلعون إلى قيادة بديلة مع تجاوز نسب الثقة بمنظمات المساعدات الإنسانية لمعدلات الثقة في المؤسسات السياسية:

حماس تحافظ على قاعدتها لكن مؤسسات المساعدات الإنسانية تجذب ثقة شعبية أكبر

  • لا تزال نسب الثقة في السلطات السياسية في غزة محدودة، حيث قال ما لا يزيد عن 32% من السكان إنهم يثقون في حكومة حماس. على النقيض، حصدت المنظمات الإنسانية نسب ثقة أعلى بكثير، إذ يثق 75% في الأونروا، و66% في الهلال الأحمر، ما يسلط الضوء على اعتماد السكان على مؤسسات المساعدات الإنسانية أثناء الحرب. لكن نسبة أقل بكثير – 22% فحسب – تثق في مؤسسة غزة الإنسانية.

البرغوثي ما زال هو المرشّح المفضّل للرئاسة، ما يعكس الرغبة في قيادة بديلة

  • في سياق الانتخابات الرئاسية الافتراضية في غزة، حصد قيادي فتح المسجون مروان البرغوثي أعلى نسبة بواقع 30% من الأصوات، متقدمًا على خالد مشعل من حماس (22%) والرئيس محمود عباس (13%). لم تتغير هذه النسب منذ استطلاع عام 2023، ما يؤكد تفضيل الناس لقائد قادر على تجاوز النماذج غير المجدية التي تبنتها كل من السلطة الفلسطينية وحماس. ويُلاحظ أن 34% من المبحوثين قالوا إنهم لن يشاركوا في انتخابات رئاسية إذا انعقدت.

التقشف الاجتماعي: الأزمة تدفع باتجاه تبني التقاليد المُحافِظة في الضفة الغربية

  • تصاعد دعم الأدوار الجندرية التقليدية. في خضم الأزمة المطوّلة واستمرار ارتفاع معدلات الالتزام الديني، زاد دعم الجماهير للمعايير الجندرية التقليدية في الضفة الغربية. في 2025، قال 75% من الفلسطينيين في الضفة الغربية إن الرجال أفضل من النساء في مناصب القيادة السياسية، بعد أن كانت النسبة 63% في 2023. أما نسبة من يرون أنه يجب أن يكون للرجال القول الفصل في القرارات الأسرية فقد ارتفعت من 44% إلى 57%. يظهر من هذه التحولات أن الحرب لا تعيد فقط تشكيل التوجهات والآراء السياسية بل أيضًا المعايير الاجتماعية، وقد يؤدي هذا إلى انتكاسة في المكتسبات بمجال المساواة بين الجنسين وإلى التضييق على مشاركة المرأة في المجال العام على المدى الطويل.

📙 التحليل الكامل: ندعوكم للاطلاع على تقرير فلسطين الشامل من إعداد د. خليل الشقاقي، مدير المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحيّة.

نرجو نَسب أية معلومات تُنشر من المذكور أعلاه إلى الباروميتر العربي.

انتهى //


موارد الباروميتر العربي

لمزيد من المعلومات أو للترتيب لمقابلة مع أحد خبرائنا، يمكن التواصل مع أسيل العلائلي، مديرة العلامة التجارية، التسويق والاتصالات العالمية على: aalayli@princeton.edu