الرئيسية / تقارير وأوراق  

 

الإرهاب في الجزائر مرة أخرى: أين يقف الجزائريون منه؟

 

د. فارس بريزات

f.braizat@css-jordan.org

 

  

 

منذ أوائل التسعينيات عانت الجزائر من العنف والإرهاب الذي حصد ما يزيد على 200.000 إنسان في أنحاء الجزائر كافة. وتأتي العملية التي تبناها تنظيم القاعدة في بلاد المغرب والتي أسفرت عن مقتل ما يزيد عن 30 شخص في تفجير سيارة مفخخة في مبنى رئاسة الحكومة الجزائرية لتشكل تحول جذري في نوعية العمليات الإرهابية التي تستهدف "الوئام المدني" في الجزائر. وعلى الرغم من حجم الخسائر البشرية والمادية التي نجمت عن العنف السياسي والإرهاب في الجزائر لا زال هناك نسبة لا يستهان بها من الجزائريين يرون بأن الإرهاب مبرر.

 

في استطلاع للرأي قام به مشروع مقياس الرأي العام العربي في الجزائر قبل عدة أشهر تم طرح عدة أسئلة على المجتمع الجزائري للوقوف على آراء الجزائريين تجاه الإرهاب مقارنة بمجتمعات عربية أخرى. وتشير البيانات، كما هو مبين في الشكل رقم 1، إلى أن أكثر من نصف الجزائريين (60%) يعتبرون أن عمليات العنف التي استهدفت العاصمة الأردنية عمان عام 2005 هي عمليات إرهابية. ويرى 57% منهم أن العمليات التي استهدفت شرم الشيخ المصرية ومدينة الدار البيضاء المغربية هي عمليات إرهابية، بينما بلغت نسبة الجزائريين الذين يعتبرون العمليات التي استهدفت لندن ومدريد بأنها عمليات إرهابية إلى 50% و 51% على التوالي.

نص السؤال: كيف تصف كلاً من العمليات التالية: هل هي إرهابية أم غير إرهابية؟ ( تفجيرات "عمان" ... )

 

الشكل رقم 1: توزيع النتائج المستقاة من استطلاع مقياس الرأي العام في الجزائر 

الملاحظ أن العمليات التي حصلت في دول عربية (الأردن، المغرب، مصر) تم تعريفها بالإرهابية أكثر من العمليات التي حصلت في دول اوروربية (اسبانيا، بريطانيا) وعلى الرغم من أن الفرق بين الاثنتين قليل، إلا انه يؤشر على أن نسبة التعاطف مع الدول الأوروبية هي أقل من نسبة التعاطف مع الدول العربية ولعل لذلك أسباب تاريخية ودينية وقومية وثقافية. فمن جانب لا زال هناك ارث تاريخي يرى الأوروبيين كمستعمرين. بينما الدول العربية تشترك في اللغة والدين والثقافة وما إلى ذلك لذلك نجد حالة التعاطف معها أكثر قليلاً من التعاطف مع الدول الأوروبية بين الجزائريين.

 

وترى نسبة من الجزائريين أن هذه العمليات هي غير إرهابية. الافتراض هو أن الإرهاب مرفوض وممن المتوقع أن نجد الأغلبية الكبيرة جداً من الجزائريين يرفضونه ويسمونه إرهابا. كما هو الحال المتوقع في مجتمعات أخرى سواء كانت عربية أو إسلامية أو غير ذلك. ولكن أن نجد أن 10% من الجزائريين يقولون أن تفجيرات عمان هي عمليات "غير ارهابية" مقارنة بـ 13% وصوفوا العمليات التي استهدفت شرم الشيخ بذات الوصف، و 12% للعملية التي أستهدفت الدار البيضاء، و 17% للعمليات التي استهدفت لندن ومدريد، يثير الكثير من الأسئلة حول مدى استفادة المجتمع الجزائري من تجربة العنف التي مر بها منذ أوائل التسعينيات.

 

ربما تكون هذه النسبة متواضعة (الذين يعرفون هذه العمليات بأنها غير إرهابية) متواضعة بالمقاييس المقارنة. عند مقارنة البيانات الجزائرية بالبيانات الأردنية (الشكل رقم 2) نجد أن نسب الأردنيين الذين يعرفون هذه العمليات بأنها عمليات إرهابية أعلى وبشكل جوهري من الجزائريين الذين يعطونها ذات التعريف. وإذا ما سلمنا بأن السبب الذي يجعل 95% من الأردنيين يصفون تفجيرات الفنادق في عمان بأنها إرهابية هو حدوثها في بلدهم فإننا نجد أن 89% يعرفون تفجيرات شرم الشيخ بأنها إرهابية، و 70% يعرفون تفجيرات الدار البيضاء بأنها إرهابية كذلك. وعلى الرغم من أن نسب الأردنيين الذين يعرّفون عمليات لندن ومدريد بأنها إرهابية أقل من نسب الذين يعرّفون العمليات التي حصلت في البلدان العربية بأنها إرهابية إلا أنه يتبين أن الأردنيين أكثر رفضاً لهذه العمليات من الجزائريين.

 

كلا المجتمعين الجزائري والأردني مرا بعمليات إرهابية ولكن كثافة ما حصل في الجزائر على مر السنوات 15 الماضية يدفع المرء للميل إلى أن المجتمع الجزائري سيكون أكثر رفضاً للعنف وأكثر وصفاً لمثل هذه العمليات بالإرهابية. ولكن البيانات تشير إلى عكس ذلك. فما هو السبب؟  

  نص السؤال: كيف تصف كلاً من العمليات التالية: هل هي إرهابية أم غير إرهابية؟ ( تفجيرات "عمان" ... )

 

الشكل رقم  2: توزيع النتائج المستقاة من استطلاع مقياس الرأي العام في الأردن        

               

ربما يكون السبب الأهم هو أن جزء من المجتمع الجزائري أعتاد على مثل هذه العمليات للحد الذي أصبح يراها اعتيادية ويمكن التعايش معها دون خوف كبير يصل حد الإرهاب أو "الرهبة" من هذه العمليات. هذا من جانب، أما من جانب أخر فنجد أن نسبة تصل نحو الثلث من الجزائريين أفادت بأنها لا تعرف أو رفضت الإجابة على هذا السؤال كما هو مبين في الشكل رقم 1. مقارنة بنسب أقل من ذلك بكثير في الأردن كما يبين الشكل رقم 2. وفي الحالة الجزائرية، يبدو أن الإرث الصعب الذي تركته الحرب الأهلية الجزائرية تركت نحو 20% من الجزائريين بموقع الحيرة من "العنف" أي لا يعرفون كيف يصفونه؛ هل هو إرهاب أم لا؟ ويثير هذا تساؤلات أخرى حول شرعية العنف. ولا بد من الإشارة إلى قضية قد تكون ذات أهمية كبيرة في تفسير "حيرة" الجزائريين. الانتخابات التي حصلت في عام 1990 وحصل فيها الإسلاميون على الأغلبية من مقاعد البرلمان دفعت الجيش إلى التدخل وإلغاء النتائج وكردة فعل بدأت جبهة الإنقاذ الإسلامية بتنفيذ عمليات مسلحة ضد الجيش والشرطة وأجهزة الحكومة. ربما تكمن "الحيرة الجزائرية" بالصراع بين فكرتين: الأولى تتحدث عن شرعية الانتخاب التي انتزعها الجيش من جبهة الإنقاذ. والأخرى تتحدث عن محاكمة نية جبهة الإنقاذ في التعدي على الحريات العامة باسم الدين أي محاكمة شرعية خطاب الجبهة. اصطدام الفكرتين وتعبيراته الدموية أدت لحسم مواقف نحو ثلثي الجزائريين فيما بقي الثلث الآخر حائر. و هناك علاقة لا يمكن إنكارها أو دحضها بسهولة وهي أن الرأي العام الذي يتشكل من مجموع أراء أفراد المجتمع هو نتاج الأفكار والتجارب التي يمر بها هؤلاء الأفراد وتحدد مواقفهم تجاه الموضوعات المشابهة لتجاربهم وأفكارهم. 

 

لذلك ربما لا نستغرب أن تكون مسألة الشرعية هي السبب الأساسي في عدم تحديد ثلث الجزائريين لمواقفهم تجاه عمليات العنف في الأردن ومصر وبريطانيا واسبانيا والمغرب خصوصاً وأن مسألة شرعية الخطاب الذي يؤسس لهذه العمليات تتقاطع مع التجربة الجزائرية من حيث نوع الخطاب وأساليب التعبير عنه. و لكن لو افترضنا أن استطلاعاً للرأي نُفذ بعد العملية الإرهابية على مبنى رئاسة الوزراء الجزائرية، هل ستكون النتائج مشابهة لما حصل في الأردن من تحول جذري في الرأي العام الأردني بعد تفجير الفنادق عام 2005؟ الإجابة ستكون افتراضية كذلك، ولكن ما يمكن قوله بناء على البيانات المتوافرة من الجزائر والدول الأخرى هو أن نسبة الجزائريين الذين سيعرّفون هذه العملية بالإرهابية ستكون أقل من نسبة الأردنيين الذين عرّفوا تفجيرات الفنادق بأنها عمليات إرهابية. وستكون نسبة الحائرين أقل وكنها ستبقى أعلى من نسب الحائرين الأردنيين.

 

ويحدد الإطار السياسي الذي يعيش فيه الأفراد الطريقة التي من خلالها يرون مثل هذه الأحداث. في الكويت وفلسطين نجد مواقف مختلفة إلى حد كبير من موضوع الإرهاب كما يبين الشكلان 3 و 4.

  نص السؤال: كيف تصف كلاً من العمليات التالية: هل هي إرهابية أم غير إرهابية؟ ( تفجيرات "عمان" ... )

 

الشكل رقم 3: توزيع النتائج المستقاة من استطلاع مقياس الرأي العام في الكويت

 

تُعرّف الأغلبية من الكويتيين هذه العمليات بأنها إرهابية: فيما يتعلق بتفجيرات عمان يرى 87% من الكويتيين بأنها إرهابية، مقارنة بـ 90% لعمليات شرم الشيخ، 88% لعمليات لندن، و 80% لعمليات مدريد، و70% لعمليات الدار البيضاء. ويقابل هذه النسب بين الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، 67% لعمليات عمان، 59% لعمليات شرم الشيخ، و 33% لعمليات لندن، و 33% لعمليات مدريد، 46% لعملية الدار البيضاء. يبدو أثر الإطار السياسي واضحاً عند مقارنة الحالتين الفلسطينية والكويتية ببعضهما. لعل تعريف الكويتيين لتفجيرات مدريد ولندن بأنها إرهابية وبنسبة أكبر من 80% مقارنة بـ 33% لكل منهما بين الفلسطينيين يعطي مؤشراً على تباين التجربتين الفلسطينية والكويتية في التعامل مع الإرهاب وتعريفه. التذبذب الكبير نراه بين الفلسطينيين أكثر من الأردن، والكويت والجزائر. باستثناء فلسطين الأغلبية من المستجيبين في هذه الدول قالوا أن عمليات لندن ومدريد هي عمليات إرهابية. وحتى عملية الدار البيضاء لم تراها الأغلبية من الفلسطينيين بأنها عملية إرهابية. ترى نسبة بسيطة من الفلسطينيين أن الدعم الغربي لإسرائيل يبرر العمليات الإرهابية ضد هذه الدول الغربية. ولعل عدم حدوث تحسن في حياة الفلسطينيين منذ عقود وعدم قيام الدول الغربية بممارسة ضغوط جدية على إسرائيل التي تمارس شتى أنواع القهر ضد الفلسطينيين تجعل الفلسطينيين تحديداً أقل تعاطفاً مع الدول الغربية. وتُمثل الكويت حالة مناظرة للحالة الفلسطينية حيث أن الكويتيون يشعرون بتعاطف العالم معهم خصوصاً بعد أحداث عام 1990 / 1991 وربما يفسر هذا الموقف القوي لدى الكويتيين في تسمية هذه العمليات بالإرهابية.     

 

  نص السؤال: كيف تصف كلاً من العمليات التالية: هل هي إرهابية أم غير إرهابية؟ ( تفجيرات "عمان" ... )

 

الشكل رقم 4: توزيع النتائج المستقاة من استطلاع مقياس الرأي العام في فلسطين

 

 

         

الرئيسية  | خريطة الموقع |  موقع ذات صلة  | اتصل بنا