| الرئيسية / تقارير وأوراق |
الرأي العام العربي والاعتراف بإسرائيل
د. فارس بريزات
القمة العربية تُعيد تأكيد العرب على مبادرة السلام العربية التي تبنتها الدول العربية في قمة بيروت عام 2002. ربما يكون هذا العنوان هو أهم ما ستخرج به القمة العربية المرتقب انعقادها نهاية هذا الشهر في الرياض. الرحلات الدبلوماسية التي يقوم بها الدبلوماسيون الأمريكيين والأوروبيين هذه الأيام إلى الدول العربية ذات الشأن في الموضوع الفلسطيني، تحاول، وبالتفاهم مع إسرائيل، إدخال بعض التعديلات على مبادرة السلام العربية خصوصاً فيما يتعلق بموضوع اللاجئين الفلسطينيين. القضايا الأخرى من حدود ودولة فلسطينية مستقلة وما إلى ذلك أصبحت مقبولة جزئياً أو كلياً من قبل إسرائيل. إذ قبل آخر ثلاثة رؤساء وزراء إسرائيليين بمبدأ إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة في حدود عام 1976 مع بعض التعديلات الحدودية التي تهدف إلى ضم المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية إلى إسرائيل وضم بعض المناطق ذات الكثافة السكانية العربية داخل إسرائيل إلى الدولة الفلسطينية المرتقبة. ويمثل هؤلاء الرؤساء ألوان الطيف السياسي الإسرائيلي كافة. باراك يمثل حزب العمل، وشارون يمثل حزب الليكود ثم كاديما والمرت رئيس الوزراء الحالي يمثل استمرارا لنهج شارون في حزب كاديما فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية. ومع فشل سياسة الانسحاب الانفرادي التي أدخلها حزب كاديما بات الوصول إلى حل مشترك مع الفلسطينيين أمر لا يمكن تجنبه.
انتقلت الدول العربية خلال العقود الأربعة الماضية من "اللاءات" إلى "النعمات" المشروطة وانتقلت إسرائيل في ذات الفترة إلى مبدأ الأرض مقابل السلام. أسفرت العملية عن معاهدات السلام بين كل من إسرائيل من جهة ومصر والأردن ومنظمة التحرير الفلسطينية من جهة أخرى. إسرائيل الآن تقول التطبيع ثم السلام. العرب يقولون السلام أولا ثم التطبيع.
الدول العربية، كما إسرائيل، بحاجة لإقناع الرأي العام لديها بما تخطط له من سلام. الرأي العام العربي بمجمله لا يقبل الاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية في الشرق الأوسط كما تؤكد البيانات المستقاة من مشروع مقياس الرأي العام العربي. حيث تم طرح السؤال التالي على 1143 مستجيباً في الأردن، و 1270 في فلسطين، و 1300 في الجزائر، و1277 في المغرب، و750 في الكويت: أي من العبارات التالية أقرب إلى وجهة نظرك فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية. (اقرأ):
1. العالم العربي يجب أن يقبل بوجود إسرائيل كدولة يهودية في الشرق الأوسط فقط عندما يقبل الفلسطينيون بها (يقبل)
2. العالم العربي يجب أن لا يقبل بوجود إسرائيل كدولة يهودية في الشرق الأوسط (لا يقبل).
فإن الأغلبية من العرب لا يقبلون الاعتراف بإسرائيل (الذين قالوا أن العبارة رقم 2 أقرب إلى وجهة نظرهم). حيث بلغت نسبة من لا يقبلون الاعتراف بها 76.3% في الأردن، و74.2% في فلسطين، و 73.8% في الجزائر، و 60% في المغرب، 53.5% في الكويت. مقابل ذلك تقدم الدول العربية، والجامعة العربية التي لا ترى الأغلبية من العرب بأنها كانت ناجحة في تعزيز العمل العربي المشترك مبادرة جديدة للسلام.
يرى البعض أن صنع السلام يتطلب مهارات قيادية عالية وان القادة يجب أن يقودوا الشعوب للسلام على الرغم من معارضتها له. ويوجد في المجتمعات العربية نسبة لا يستهان بها من الناس ترى أن العالم العربي يجب أن يقبل بوجود إسرائيل كدولة يهودية في الشرق الأوسط فقط عندما يقبل الفلسطينيون بها حيث بلغت هذه النسبة 31.9% في المغرب، و 30.7% في الكويت، و 22.4% في فلسطين، و 17.7% في الأردن، و 14.5% في الجزائر. ومن المتوقع أن ترتفع هذه النسب بشكل جوهري إذا ما حصل الفلسطينيون على حقوقهم من إسرائيل.
ولكن في ظل وجود حكومة تقودها حركة حماس التي تعاني من مقاطعة أمريكية وإسرائيلية وأوروبية بحجة أن حماس منظمة إرهابية ولا تعترف بإسرائيل لا يبدو أن عملية السلام ستتحرك إلى الأمام على الرغم من تجديد المبادرة العربية للسلام بين العرب وإسرائيل. وفي نفس الوقت الذي تلام فيه حماس على عدم تقدم عملية السلام يرى البعض أن اعتراف منظمة التحرير بإسرائيل لم يشفع للفلسطينيين بالحصول على الكثير من الحقوق وإنما خدم إسرائيل أكثر مما خدم الفلسطينيين. ومن جانب أخر يرى البعض أنه لا يوجد في إسرائيل شريك للسلام يقبل بإعطاء الفلسطينيين حقوقهم التي تمكنهم من التوقيع على معاهدة سلام تنهي الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

ولا بد من التذكير أن المفاوضات السابقة بين سورية وإسرائيل لم تصل إلى شيء وربما يكون من الصعب جداً الوصول إلى حلول وسط بين إسرائيل وسورية لأن كلا الطرفين متمسك بهضبة الجولان. ومن الصعب تصور أن يقوم السوريون بالقبول في التنازل عن أجزاء من الجولان بعد أن اشبعوا الناس كلام داخل وخارج سوريا عن ضرورة تحرير كامل الجولان المحتل. وإذا ما حدث تحول حقيقي في عملية السلام وبدأت المفاوضات السورية الإسرائيلية وتوصل السوريون إلى اتفاق يجلب لهم حقوقاً أقل مما يطالبون به فان شرعية الخطاب السياسي السوري ستواجه أزمة مصداقية داخل وخارج سوريا خصوصاً من القوي السياسية التي ترى في الموقف السوري موقف قومي يجب الدفاع عنه والالتحاق به. أما على المسار اللبناني فالأمور أكثر تعقيداً، لا زالت مزارع شبعا محتلة من قبل إسرائيل وهناك قلق لبناني من هجوم إسرائيلي جديد يستهدف لبنان بحجة القضاء على حزب الله.
ومما يجعل الأمور أكثر تعقيداً هو التحول الذي طرأ على الخطاب السياسي الإسرائيلي الذي يطلب من الدول العربية أن تبدأ بالتطبيع أولاً ثم التوصل إلى السلام. الموقف الإسرائيلي هذا يجعل موقف الدول العربية أكثر صعوبة ولعدة أسباب. أولا، أن الثمن السياسي الذي يطلبه الإسرائيليون من الدول العربية مرتفع من وجهة نظر الدول العربية. حيث أن الدول العربية تواجه مجتمعات ترفض الأغلبية فيها الاعتراف بإسرائيل من حيث المبدأ. ثانياً، تضع إسرائيل الدول العربية جميعاً في مواجهة مع شعوبها عندما تطلب منها فرض التطبيع رسمياً على شعوبها قبل التوصل إلى اتفاقيات تنهي الصراع وتعيد الحقوق الفلسطينية والعربية. وتشير التجربتين المصرية والأردنية إلى أن تطبيع العلاقات على الصعيد الشعبي لم ينجح بالشكل الذي يمكن أن يشار له حتى بعد توقيع اتفاقيات سلام، فهل سيكون الحال أفضل قبل توقيع معاهدات سلام؟ ثالثاً، أن إسرائيل ترغب بالحصول على الفوائد بدون ثمن، وهذا ما لم تقبل به الدول العربية التي تشترط كما ورد في مبادرة السلام العربية أن تنهي إسرائيل احتلالها للأراضي العربية وان تعترف بدولة فلسطينية مستقلة وتسمح بعودة اللاجئين الفلسطينيين.
ولكن هل من الممكن أن يتحول الرأي العام العربي من غير راغب في السلام مع إسرائيل إلى مؤيد للسلام معها؟ يمكن الإجابة على هذا التساؤل بالنظر إلى كيف يرى العرب الصراع العربي الإسرائيلي. اولاً، التصور العالم لدى الرأي العام العربي هو أن إسرائيل دولة محتلة ومغتصبة للأرض العربية. وعلى الرغم من اعتراف منظمة الأمم المتحدة بإسرائيل واعتراف الكثير من دول العالم بإسرائيل بشكل رسمي وقانوني إلا أن التصور العام عنها لدى الرأي العام العربي وربما بشكل مشابه لدى الرأي العام الإسلامي لا يزال تصور قائم على أنها دولة احتلال تنتهك حقوق الفلسطينيين وتحتل أراض عربية منذ نحو أربعة عقود من الزمان. ثانياً، يرى الرأي العام العربي أن التحالف الاستراتيجي بين إسرائيل والولايات المتحدة ودفاع الولايات المتحدة عن إسرائيل وحمايتها في مجلس الأمن الدولي فيه استهداف للعرب. حيث ترفض الولايات المتحدة السماح لمجلس الأمن بإدانة الأعمال العسكرية الإسرائيلية ضد المدنيين الفلسطينيين. وتبدو مثل هذه الأفعال على أنها تحيز للقوي على حساب الضعيف وللظالم على حساب المظلوم. تترك مثل هذه التصورات اثر بالغ على الرأي العام العربي الذي هو بطبيعة الحال متعاطف إلى حد كبير مع القضية الفلسطينية. ثالثاً، يرى الرأي العام العربي أن قرارات مجلس الأمن ضد إسرائيل لم تطبق بينما ضد الدول العربية تم تطبيقها بالقوة، بغض النظر عن نص القرار أو اللغة القانونية التي صيغ فيها. أي أن التبرير القانون القائل بأن قرارات مجلس الأمن ضد إسرائيل لم تصاغ تأسيساً على النصوص القانونية الملزمة للدول الأعضاء بالقيام بعمل ما لتطبيقها يبقى لغة قانونية لا تصل إلى الرأي العام. وما يراه الرأي العام يختلف عما هو موجود في نصوص القرارات.
ما لم تتغير مثل هذه التصورات لا يبدو أن تغيراً جذرياً سيطرأ على الرأي العام العربي تجاه السلام مع إسرائيل. و حتى تتغير هذه التصورات لا بد أن تقوم إسرائيل ببناء سلام مع الفلسطينيين من موقع الشريك وليس من موقع القوي المنتصر عسكرياً. ولا بد أن تعيد إسرائيل الحقوق العربية الأخرى لكي تتمكن الدول العربية من تسويق التطبيع بينها وبين إسرائيل. ومن المستبعد أن تقبل الدول العربية بالنظرية الإسرائيلية الجديدة التي تقول بالتطبيع قبل السلام. ولكن تمكنت إسرائيل من تسويق هذه النظرية في الولايات المتحدة وإلى حد ما في أوروبا. وسنشهد في المستقبل القريب ضغوطاً أمريكية وأوروبية تطالب الدول العربية بالتطبيع مع إسرائيل مقابل مكتسبات بينها وبين الدول العربية في شكل اتفاقات التجارة الحرة أو الشراكة الأوروبية المتوسطية وغيرها من المشاريع الاقتصادية.