| الرئيسية / تقارير وأوراق |
التفاؤل بالمستقبل والمواطن النقدي: الرأي العام العربي ومستقبل الاقتصاد
د. فارس بريزات
العرب اكثر تفاؤلاً بالمستقبل مما هو سائد على الرغم من الصعوبات التي يواجهونها. ربما تبدو هذه الخلاصة منافية لمجمل الخطاب السياسي المنتشر في المنطقة العربية الذي يركز على حالة من الاحباط السياسي والتخلف الاقتصادي والتكنولوجي وتقدم الافكار التقليدية على الافكار الحديثة والمعاصرة. ولكن هذه هي حقيقة ما وصلت اليه استطلاعات مقياس الرأي العام العربي في كل من الجزائر والكويت والمغرب. اما في الاردن وفلسطين فهناك حالة انقسام في الرأي العام بين التفاؤل والتشاؤم بمستقبل الوضع الاقتصادي للبلاد فيهما كما يوضح الشكل رقم (1). ولكن بالمجمل تشير الدلائل الى ان التفاؤل يفوق التشاؤم كثيراً اذا ما نظرنا الى البلدان الخمسة مجتمعة. حيث بلع معدل نسب المتفائلين بالوضع الاقتصادي في المجتمعات الخمسة 46.2%، بينما بلغ معدل نسب المتشائمين بمستقبل الوضع الاقتصادي للبلاد 25% في المجتمعات الخمسة.
الشكل رقم (1)

ولكن هل يمكننا التعميم من هذه النتائج على بقية المجتمعات العربية؟ هناك عدة معايير تجعل القياس وارد ومنطقي. ومنها التشابه في الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ان الجزائر والمغرب تمثلان اكبر مجتمعين في المغرب العربي ويمكن اعتبار ما يجري فيهما معبراً الى حد كبير عما يجري في كل من موريتانيا وتونس والى حد ما ليبيا، وليس بالضرورة مطابق تماماً. مع فارق مهم هنا وهو انه يمكن اجراء هذه الدراسات في الجزائر والمغرب اما في ليبيا وتونس فلم نتمكن من العثور على استطلاعات منشورة من هذه البلدان يمكن الاستفادة منها في مثل هذا الموضوع. اما في منطقة الخليج، تمثل الكويت مؤشر ممتاز لما يجري في بقية دول الخليج من الناحية الاقتصادية مع الاخذ بعين الاعتبار الفروقات السياسية والاجتماعية. وفيما يتعلق بالاردن وفلسطين تتحكم الظروف المحيطة بهذين المجتمعين بالكثير من العوامل الاقتصادية الداخلية ومن الصعب القول بان ما يجري في هذين البلدين على الصعيد الاقتصادي يعبر عما يجري في سوريا ولبنان. ولكن يمكن القول ان الحال الاقتصادي في كل من العراق، والسودان، ولبنان، وفلسطين متشابه نظراً لظروف الحرب وعدم الاستقرار السياسي التي تؤثر في المسيرة الاقتصادية لهذه المجتمعات. ولكن القياس يبقى ضمن خانة التخمين الموثق بانتظار القيام بمزيد من المسوحات في هذه المجتمعات في المستقبل القريب.
وعلى اية حال فان حالة التفاؤل بتحسن الوضع الاقتصادي للبلاد التي يعبر عنها الرأي العام العربي تبقى نسبية ومتفاوتة. نسبية بمعنى انها لا تعبر عن راي الاغلبية، اي اقل من 50%، الا انها تفوق كثيراً نسبة المتشائمين. ولكن تفحص التفاصيل يُظهر ان نسب الذين يعتقدون ان الوضع الاقتصادي لبلدانهم "سيكون أفضل بكثير مما هو عليه الآن" متدنية ومتفاوتة بين مجتمع واخر، حيث بلغت في اقصى حدودها 19% في الكويت، بينما كانت 16% في الجزائر، و 11% في كل من الاردن، وفلسطين، والمغرب. ويعني هذا ان الفئات التي لديها ثقة كبيرة بالمستقبل لا زالت تشكل نسب ضئيلة من مجموع السكان في هذه المجتمعات. وهذا يضاعف المسؤولية الحكومية في كل دولة من هذه الدولة لجهة خلق حالة تفاؤل قائمة على اساس الانتاج والمكتسبات التي تمكن ان تحققها فئات اخرى من هذه المجتمعات.
وتدل البيانات على ان الرأي العام العربي غير مفرط في التفاؤل. فاذا نظرنا الى القسم الاخر من المتفائلين بمستقبل الاقتصاد نجد ان نسب المستجيبين الذين افادوا بان الاقتصاد سيكون افضل بقليل مما هو عليه الآن تشكل ضعف الى ثلاثة اضعاف الذين يتوقعون ان يكون الاقتصاد "افضل بكثير". حيث بلغت نسبة هؤلاء 43% في المغرب، 36% في الجزائر، 31% في الكويت، و 28% في فلسطين، و25% في الاردن. وتمتاز هذه الشريحة من المواطنين بالتأرجح وهي اكثر عرضة لتغيير مواقفها من الفئات الاخرى. ولعل اهم عوامل التأرجح لدى هذه الفئة هو انها تتأثر بشكل اكبر من غيرها بتقلبات الاقتصاد وعلى الرغم من وجود بذور التفاؤل لديها فانها اكثر عرضة للانزلاق باتجاه القول باستقرار الحال الاقتصادي على ما هو عليه او التشاؤم في حال ارتفعت الاسعار وزاد حجم التضخم على سبيل المثال لا الحصر.
الشكل رقم (2)

ومن الملفت للنظر ان نسبة المتفائلين من الاردنيين هي الأقل مقارنة بالمجتمعات الاربعة الاخرى. ويمكن تفسير هذه الحالة بعدة عوامل ابرزها موجة ارتفاع الاسعار الكتتالية التي شهدتها الاردن طوال عام 2006 خصوصاً الارتفاعات المتتالية التي حدثت على ارسعار النفط ومشتقاته. والتي دفعت بدورها اسعار جميع المواد الاخرى تقريباً الى الارتفاع في ظل غياب الرقابة الحكومية وعدم نضوج شروط اقتصاد السوق الذي يحمي المستهلك نتيجة للتنافس بين المنتجين، هذا من جانب. ومن جانب اخر يتعرض الاردن لضغوط سكانية جديدة تثقل كاهل بنيته التحتية ومصادره الشحيحة. فالى جانب النزوح الدائم من فلسطين الى الاردن، هناك نحو 800 الف لاجيء عراقي في الاردن الآن ويشكل هؤلاء ضغط على خدمات الصحة واالتعليم والمياه والطرق والخدمات الاخرى. واذا ما اضفنا الى ذلك عدم نجاح الحكومات الاردنية المتعاقبة في حل المشاكل الرئيسة التي يواجهها المجتمع وهي البطالة والفقر والفساد المالي والاداري حسب استطلاعات الرأي التي يجريها مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الاردنية حول تقييم أداء الحكومات الاردنية فان حالة التفاؤل المحدود بحدوث نقلة نوعية في الاقتصاد تؤدي الى تحسنه لا زالت موضع شك بين الاردنيين. ونظراً لاعتماد الاقتصاد الاردني على الظروف الاقليمية الى حد ما فان المجتمع الاردني اكثر تحسسا لهذه الظروف خصوصا وان الملك عبدالله الثاني قد تحدث عن قلق الاردن من احتمال نشوب ثلاثة حروب اهلية في المنطقة ستؤثر على الاردن بشكل مباشر وباشكال مختلفة. ويرى البعض ان الرأي العام الاردني بطبعه غير متفائل ولكن هذا الاعتقاد لا يوجد ما يبرره على اطلاقه خصوصاً مع وجود نسبة من الاردنيين (36%) تعبر عن تفاؤلها بمستقبل الاقتصاد. ولعله من المنطقي القول ان هذه النظرة هي اسقاطية وانطباعية اكثر منها علمية. وبالمقارنة مع مجتمعات اخرى نجد هذه المواقف المختلفة متوافرة في جميع المجتمعات الاخرى سواء كانت عربية ام غير عربية.
والتشاؤم موجود كذكك
ترى نسبة اعلى من الاردنيين والفلسطينيين ان الوضع الاقتصادي للبلاد سيسؤ خلال 3-5 سنوات القادمة بالمقارنة مع المغرب والجزائر والكويت. حيث افاد بذلك 38% من الفلسطينيين، و 37% من الاردنيين مقارنة بـ 19% في كل من المغرب والكويت و 11% في الجرائر. ولكل بلد من هذ البلدان ظروفه الاقتصادية التي تؤطر رؤية الرأي العام للمستقبل. الجزائر، على سبيل المثال، خرجت من حرب اهلية طاحنة امتدت منذ اوائل التسعينات وحققت استقرار اقتصادي ساعد فيه ارتفاع اسعار النفط عالمياً الاستقرار السياسي الذي جلبه انتخاب الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة الذي حعل من "الوئام المدني" ديدناً لحكمه.
الشكل رقم (3)

المواطن النقدي
يظهر التعليم انه عامل مؤثر في توجهات المواطنين نحو مستقبل الاقتصاد. وهناك علاقة طردية بين ارتفاع مستوى التعليم وازدياد مستوى التشاؤم بين المواطنين. اي ان ارتفاع مستويات التعليم يؤدي الى تطوير ادوات التفكير النقدي. ويعني هذا ان التعبئة الذهنية النقدية ستؤدي الى نتائج اوسع من مجرد التعبير عن الرأي في الاستطلاعات. وبناء على الادلة التي توفرها الدراسات المقارنة حول العلاقة بين التعليم والتفكير النقدي والتعبئة السياسية فان ازدياد مستويات التعليم سيؤدي الى تاطير سياسي لتمثيل المصالح الاقتصادية اذا توفرت مجموعة من الشروط المساعدة الاخرى مثل ارتفاع نسبة الضرائب الداخلية من الموازنة العامة للدولة.
يتبين من البيانات المستخلصة من الاستطلاع الاردني ان هذه العلاقة النظرية مدعومة بالحقائق العلمية. ففي حين يرى 50% من الاميين ومتدنيي التعليم ان الوضع الاقتصادي للبلاد سيكون اسوأ مما هو عليه الآن، ترتفع هذه النسبة الى 58% بين حملة الدبلوم المتوسط، والى 54% بين حملة البكالوريوس والى 72% بين حملة شهادة الماجستير واعلى.
الشكل رقم (4)

المواطن النقدي هو المواطن المتعلم الذي يفكر خارج الصندوق وياخذ عوامل متعددة بعين الاعتبار عند تقييمه للحال الاقتصادي، او غيره، للبلاد. والحقيقة ان البلاد العربية تشهد حركة تعليمية كبيرة ونشطة ولكنها لازالت غير متقدمة من ناحية تعليم التفكير النقدي كمنهج للتفكير. وعلى الرغم من ذلك ادت العملية التعليمية الى تطوير ادوات التفكير لدى الناس. واذا ما استمرت العملية التعليمية كما هي عليه الآن فان المستقبل يبشر بتغيرات قد تكون جدية في تركيبة البى السياسية للدول العربية خصوصاً تلك التي يعتمد انفاقها على الضرائب الداخلية بشكل اساسي مثل الاردن والمغرب ولا يوجد لديها مصادر طبيعية غنية تمكن الدولة من الاستمرار كدولة ريعية.
التطور الطبيعي للمجتمعات يقتضي تغيير البنى السياسية المعبرة عن المصالح الاقتصادية للناس. لذلك فان تطور المجتمع يعتمد على مدى تقدم المواطن النقدي في دفع افكاره من المجال الخاص الى المجال العام وتاطير هذه الافكار في صيغ عمل سياسية قانونية ومدنية تقبل الاختلاف وتستخدمه لاغناء ممارستها السياسية. بهذا المعني، يبدو ان المجتمعات العربية مقبلة على تحولات مهمة في بناها السياسية. اي ان التركيبة السياسية القائمة في العديد من هذه المجتمعات غير قادرة على تحمل التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي نتجت طوال العقود الاربعة الماضية تحت انظمة سياسية لن تتغير جوهرياً من ناحية بناها السياسية الموؤسساتية.