الرئيسية / تقارير وأوراق  

 

فجوة التوقعات: تقييم الرأي العام العربي للاقتصاد بين العام والخاص

د. فارس بريزات

f.braizat@css-jordan.org

 

  

يقيم الرأي العام العربي في كل من الاردن وفلسطين والكويت والجزائر والمغرب الوضع الاقتصادي للبلد بصورة اقل ايجابية من الوضع الاقتصادي للاسرة.  هذه هي الخلاصة الرئيسية من مسوحات الراي العام التي قام بتنفيذها مشروع "مقياس الرأي العام العربي" في النصف الثاني من عام 2006 ومقره مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الاردينة وتنشر هنا لأول مرة.  وبناء على هذه البيانات يمكن القول ان الراي العام العربي ليس مميزاً في مثل هذا التقييم عن غيره من حيث اتجاهات التقييم. ففي الولايات المتحدة على سبيل المثال يقيم الرأي العام الامريكي اداء الكونغرس السابق بالسلبية (المونغرس الذي لا يعمل شيئاً) ولكنه يقيم اداء ممثل الدائرة الانتخابية بايجابية اكثر من تقييم اداء الكونغرس بشكل عام. وفي مثال اخر، يقيم الرأي العام الاردني اداء مجلس النواب واداء نواب الدائرة الانتخابية بسلبية وبارقتم متقاربة جداً اذا لم تكن متطابقة تماماً على مر السنوات الماضية حسب ما خلصت اليه الاستطلاعات الدورية التي يقوم بتنفيذها مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الاردنية. هذه المؤشرات وغيرها الكثير تؤكد ان الرأي العام ديناميكي ومتحرك ويستجيب للتغيرات التي تطرأ على الظواهر العامة التي يهتم بها ويقيمها. ولكن يبقى السؤال المطروح هو لماذا يقيم الرأي العام في البلدان العربية اقتصاد البلد بشكل اقل ايجابية من تقييمه للوضع الاقتصادي للأسرة كما تشير البيانات المعروضة ادناه؟ 

 

في الوقت الحالي كيف تقيم الوضع الاقتصادي العام في ...............؟      

الاردن

المغرب

الجزائر

الكويت

فلسطين

 

8

4

3

20

1

جيد جداً

47

45

40

60

12

جيد

28

31

38

14

40

سيء

16

18

11

5

46

سيء جداً

2

1

8

2

0

لا اعرف

1145

1277

1200

750

1270

العينة = 100%

كيف تقيم الوضع الاقتصادي لأسرتك الآن؟

الاردن

المغرب

الجزائر

الكويت

فلسطين

 

10

4

3

25

5

جيد جداً

57

64

51

67

44

جيد

24

23

33

5

34

سيء

8

7

7

0

17

سيء جداً

1

2

7

0

0

لا اعرف

1145

1277

1200

750

1270

العينة = 100%

12

19

11

12

36

الفرق بين تقييم الوضع الاقتصادي للبلد وللاسرة بايجابية بالنقاط

 

في البلدان الخمسة نلاحظ ان تقييم الوضع الاقتصادي العام للبلد يختلف بحسب ظروف كل بلد. يقيم 80% من الكويتيين و55% من الاردنيين الوضع الاقتصادي العام للبلد بانه جيد او جيد جداً. وهذا يعني ان التقييم ايجابي جداً في الكويت وايجابي في الاردن. اما في الجزائر فيقيم 43% من الجزائريين الوضع الاقتصادي العام بايجابية بينما في المغرب بلغت نسبة من يقيمون الوضع الاقتصادي العام للبلاد بايجابية 49%. وفيما تتساوى نسب من يقيمون الوضع الاقتصادي بايجابية وسلبية في المغرب، بلغت نسبة الذين يقيمون الوضع الاقتصادي بسلبية في الجزائر 49% وهي اعلى بقليل من الذين يقيمون الوضع الاقتصادي بايجابية. اما في فلسطين فيقيم 86% من الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة الوضع الاقتصادي العام للبلد بسلبية.

 

 

في الوقت الحالي كيف تقيم الوضع الاقتصادي العام في ...............؟      

وتؤكد بيانات النمو الاقتصادي التي ينشرها البنك الدولي ان هذه الدول شهدت نسب نمو متتالية منذ عام 2001 وحتى علم 2005 كما يوضح الشكل التالي. وبينما شهدت الكويت والاردن في عام 2005 نسب نمو اعلى مما كانت عليه نسب النمو في العام 2001، بقيت نسب النمو المتحققة في الجزائر اعلي بنقطتين مما كانت عليه في عام 2001، اما في الغرب فكان الانخفاض واضح حيث بلغ النمو 2% في عام 2005 مقارنة بـ 6% عام 2001. وعلى الرغم من الاختلاف في اسباب النمو بين الدول المصدرة للنفط مثل الكويت والجزائر والدول المستوردة مثل الاردن والمغرب إلا ان الاقتصادات الكلية لهذه الدول حققت تقدما ولم تحقق نمو سلبي. وعلى الرغم من ذلك لا زال الرأي العام في كل من المغرب والجزائر اقل اعترافاً بالنمو منه في الاردن والكويت.

 

نسبة النمو الاقتصادي حسب مؤشرات البنك الدولي

وعلى الرغم من تقييم الرأي العام الاقل ايجابية للوضع الاقتصادي العام في هذه البلدان نجد ان تقييم الوضع الاقتصادي للاسرة اكثر ايجابية. وتبرز الحالة الفلسطينية كأكثر الحالات تميزاً. ففي حين افاد 49% من الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة ان الوضع الاقتصادي لاسرهم جيد جدا او جيد، وصف فقط 13% منهم الوضع الاقتصاي العام بذات الوصف اي بفارق مقادره 36 نقطة. وكما تشير البيانات في الجدول رقم 1 بلغت نسبة الكويتيين الذين يصفون الوضع الاقتصادي لاسرهم انه جيد او جيد جداً 92%، وهي اعلى بـ 12 نقطة مئوية من الذين وصفوا الوضع الاقتصادي للبلاد بذات الوصف. وفي الجزائر بلغ الفرق 11 نقطة، وفي المغرب 19 نقطة، اما في الاردن فبلع الفرق 12 نقطة مئوية.

 

كيف تقيم الوضع الاقتصادي لأسرتك الآن؟

يمكن تفسير ظاهرة الاختلاف بين تقييم الرأي العام للوضع الاقتصادي العام للبلاد والوضع الاقتصادي الخاص للاسرة بعدة عوامل. اولها، ان الرأي العام يقيم اداء حكومات غير منتخبة (الحالة الفلسطينية هي حالة استثنائية بكل المقاييس نظرا لظروف الاحتلال الاسرائيلي على اقل تقدير) وهي الجهات المعنية بالموضوع الاقتصادي العام. وينحى الرأي العام باتجاه السلبية في تقييم اداء الحكومات لانه يطلب الاكثر والافضل وبشكل دائم. وربما تشكل حالة السلبية او الرفض من قبل الرأي العام دافع للحكومات لتقديم الاكثر. وبهذا يبدو الرأي العام لاعباً سياسياً عقلانياً يطبق ادوات الضغط التي يراها مناسبة ومتاحة وغير مكلفة اقتصادياً ومنها التعبير عن الرأي في مثل هذه الاستطلاعات.  ثانياً، لا يمكن ان ترضي الحكومات جميع المواطنين، ولكن عندما لا ترضي الاغلبية فتنشأ هناك اشكالية الشرعية السياسية التي لا بد من التعامل معها. ولعل الشرعية السياسية القائمة في الدول المصدرة للنفط والتي توزع جزء كبير من العوائد على المواطنين هي شرعية قابلة للاستمرار بشرط استمرار المصادر الاقتصادية للشرعية السياسية. ثالثاُ، ان تقييم المواطن للوضع الاقتصادي العام هو تقييم اكثر قرباُ للنظرية المجردة والانطباعية منه الى واقع المواطن. ولكن تقييمه لوضع اسرته الاقتصادي هو اقرب مؤشر لتقييم الوضع الاقتصادي العام بدقة لأنه يعكس معرفة تطبيقية ومباشرة وواقعية لحاله الاقتصادي. رابعاً، ان الاعتماد على الذات وعلى مصادر وادوات المعيشة في ظل الظروف الصعبة (فلسطين) لا يعكس اداء الاقتصاد العام للبلد بقدر ما يعكس مدى نجاح المبادرة الذاتية في تحقيق وسائل البقاء وشروط المعيشة وبطرق غير اعتيادية ولا يوفرها الاقتصاد العام للدولة (مثل تحويلات المغتربين).

 

يرى بعض المعلقين ان عوائد النمو الاقتصادي لا تنعكس على كافة شرائح المجتمع وانما تتركز في فئة الطبقة الاقتصادية والسياسية العليا وما يرشح للطبقة الوسطى يكاد يكون نزر يسير لا يرشح منه شيء للطبقات الادنى في السلم الاقتصادي. واذا ما نظرنا الى نسبة المواطنين في البلدان الخمسة الذين يصفون اوضاع اسرهم الاقتصادية بانها سيئة او سيئة جداً (وهي اوصاف ذاتية - اي تعبر عن رأي الشخص دون حسابات اقتصادية متخصصة ودقيقة وفق تعاريف محددة) نجد ان هذه النسب مرتفعة جداً في فلسطين 51%، ومرتفعة نسبياً في كل من الجزائر 40%، وفي الاردن 32% وفي المغرب 30%. اما في الكويت فهي نسبة متدنية جداً 5%. تفسر الظروف التي يمر بها المجتمع الفلسطيني من احتلال وسوء حكم وحصار اقتصادي اسرائيلي النسبة المرتفعة. ولكن الجزائر والمغرب والاردن تمثل حالات اقتصادية صعبة لنحو ثلث السكان. ولعل هذا ليس بالغريب في ظل ارتفاع معدلات الفقر والبطالة في هذه الدول هذا من جانب. اما من جانب اخر فالحكومات في هذه الدول الثلاثة لا تزال غير شفافة ولاتخضع لمحاسبة فعالة من السلطة التشريعية وفي ظل شح الموارد الاقتصادية المتاحة وسوء توزيعها ومع الزيادة المرتفعة في حجم السكان وضعف البنية التحتية وما الى ذلك من عوامل فان نسبة غير الراضين عن الاداء الاقتصادي (مقاساً بسوء الوضع الاقتصادي لاسرة) مرشح للارتفاع. 

 

على الرغم من التغيرات التي تطرا على الراي العام والتفاوت الذي يظهره بين مقياس واخر، الا ان الرأي العام في نهاية المطاف ينحاز للعقلانية سواء كان هذا في الاقتصاد او السياسة. ولعل انحياز الرأي العام الامريكي الواضح ضد سياسات الرئيس بوش في العراق وانحياز الرأي العام البريطاني ضد تونب بلير لذات السبب من ابرز الادلة على ان الراي العام يتأثر ويؤثر حسب المعطيات ولا يوجد رأي عام جامد.          

 

الرئيسية  | خريطة الموقع |  موقع ذات صلة  | اتصل بنا