| الرئيسية / تقارير وأوراق |
الحكم المفضل: عقلانية المواطن العربي
د. فارس بريزات
تترسخ العقلانية والواقعية السياسية في المنطقة العربية بشكل متواتر وباتجاهين. ينطلق الاتجاه الأول من العلاقات الدولية التي تقوم عليها الدول العربية بينما ينبع الاتجاه الثاني من الرأي العام في كل من هذه الدول.
الاتجاه الأول تمثله الدول العربية المعتدلة والتي تقبل بالواقع السياسي العالمي كما هو وتتعامل معه لتعظيم مصالحها. وتدل نظرة سريعة على تطورات السياسة في العلاقات الدولية بين دول المنطقة العربية ومع الدول الأخرى على أن تيار العقلانية والواقعية السياسية حقق انتصارات جوهرية في حقل الحفاظ على مصالحه وتطوير نهجه في التعاطي مع القضايا الإقليمية والدولية من خلال تأكيد وتنفيذ استراتيجيه "القيادة بالمثال". ولعل ابرز الأمثلة التي يمكن أن نسوقها على نجاح هذا التيار هو تمكن السعودية من إحلال الوئام بين الفصائل الفلسطينية المتناحرة على الرغم من فشل العديد من المحاولات الأخرى كتلك التي جمعت الفصائل الفلسطينية في دمشق قبل عدة أسابيع وبرغم التعقيدات الإقليمية والدولية التي حكمت تطورات العلاقة بين فتح وحماس وتداخلاتها مع الملفين العراقي والإيراني.
الاتجاه الثاني للعقلانية يمثله الرأي العام العربي. تأسيساً على سلسلة من الدراسات حول الرأي العام العربي ومصادر تشكيله ومواقفه تجاه القضايا الداخلية والإقليمية والدولية، يمكننا القول وبدرجة كبيرة من الثقة أن الرأي العام العربي يتمتع بمستوى عال من العقلانية السياسية والنضج فيما يتعلق بشكل النظم السياسية التي يرغب بأن تحكمه. على الرغم من جاذبة الخطاب السياسي الإسلامي والهالة التي تحيط بالأحزاب السياسة الإسلامية ومحاولاتها المستمرة ربط وجودها بالإسلام في أكثر من بلد عربي وإسلامي، إلا أن المواطن العربي لا يرى بأن العمل السياسي ينبغي أن يُحصر على الأحزاب الإسلامية وإنما يُفضل أن يرى تنافس متعدد التوجهات والإيديولوجيات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في العملية السياسية.
وبالتناغم مع نتائج دراسات سابقة حول أشكال الحكم المفضلة التي يرغب فيها المواطنون العرب، تضيف نتائج استطلاعات الرأي العام التي نفذها مشروع مقياس الرأي العام العربي دليلاً جديداً إلى مجموعة الأدلة العلمية الموجودة. حيث تم طرح السؤال التالي "سوف أذكر لك بعض الأنظمة السياسية القائمة الآن في بعض دول الشرق الأوسط، وأود أن أتعرف على مدى ملائمة هذه الأنظمة لتكون نظاماً سياسياً في (اسم البلد)؟ على 1200 مستجيب في الجزائر هم عينة ممثلة للمجتمع الجزائري بكافة أطيافه وتوزيعاته الجغرافية، وعلى 1145 مستجيب في الأردن، و 1270 مستجيب في فلسطين (الضفة الغربية وقطاع غزة)، وعلى 750 مستجيب في الكويت. وكل هذه العينات مسحوبة بطريقة عشوائية منتظمة وتعتمد الأسلوب الطبقي العنقودي متعدد المراحل.
وكان النظام السياسي الأول الموصوف للمستجيبين هو "نظام برلماني حيث الأحزاب القومية واليسارية واليمينية والإسلامية تتنافس من خلال الانتخابات النيابية." ويمثل هذا النظام النموذج التركي في الحكم (ولكن ذلك لم يُعطى للمستجيب). وليس من الغريب أن نجد أن مثل هذا النموذج هو نموذج مرغوب. حيث يرى 64% من الفلسطينيين بأنه ملائم جداً أو ملائم كما يوضح الشكل رقم (1) أدناه. مقارنة بـ 55% في الجزائر، و بـ 46% في الأردن، وبـ 46% في الكويت.
ومن الملفت للنظر أن المجتمع الكويتي هو أكثر المجتمعات الأربعة المدروسة هنا اعتقاداً بعدم ملائمة هذا النظام البرلماني للكويت. حيث يرى 23% من الكويتيين أن هذا النظام غير ملائم إطلاقا للكويت، ويرى 20% أنه ملائم قليلاً (وهذه أقرب إلى عدم الملائمة منها إلى الملائمة). وعلى الرغم من أن الكويت هي الدولة الخليجية الوحيدة التي لديها برلمان فاعل منذ استقلالها مقارنة بدول الخليج الأخرى إلا أن ذلك لم يشفع كثيراً للنظام البرلماني. ومقارنة بالمجتمعات الأخرى المشمولة هنا نجد أن أدى نسب ترى أن هذا النظام غير ملائم على الإطلاق في الأردن حيث بلغت 14% فقط. وإذا ما أضفنا نسبة الذين يرون بأنه نظام ملائم قليلاً للأردن نجد أن النسبة تصل إلى 28% وهي مطابقة للنسبة التي حصلنا عليها في الجزائر. بينما بلغت نسبة من أفادوا بأن هذا النظام غير ملائم إطلاقاً لفلسطين 18%.
ومما يجدر ذكره هنا أن نسبة لا يستهان بها في كل مجتمع من هذه المجتمعات أفادت بلا أعرف حيث بلغت نحو 10% في كل من فلسطين والجزائر والكويت. ألا أنها بلغت 24% في الأردن. ونظراً لوجود عدد من الدراسات حول الرأي العام الأردني وأشكال الحكم تؤكد أن الرأي العام الأردني منحاز بأغلبيته الكبيرة للنظام السياسي الديمقراطي، فانه يمكننا أن نقول وبثقة معقولة أن نسبة من قالوا بلا اعرف من الأردنيين ستنخفض في المستقبل وستزداد نسبة من يرون أن النظام البرلماني الموصوف هنا هو ملائم جداً أو ملائم للأردن.
الشكل رقم (1) نص السؤال: سوف أذكر لك بعض الأنظمة السياسية القائمة الآن في بعض دول الشرق الأوسط، وأود أن أتعرف على مدى ملائمة هذه الأنظمة لتكون نظاماً سياسياً في (اسم البلد)؟
1: نظام برلماني حيث الأحزاب القومية واليسارية واليمينية والإسلامية تتنافس من خلال الانتخابات النيابية

الاستخلاص الرئيس الذي يمكننا الوصول إليه من الشكل رقم (1) هو أن نسبة الذين يؤيدون النظام البرلماني المفتوح لتنافس القوى السياسية كافة ويرون انه ملائم للبلد تفوق بكثير نسبة من يرون انه غير ملائم باستثناء الكويت التي تناصف فيها الفريقين تقريباً.
ولكن يبقى السؤال العالق والذي ما زال يطرح بشكل متكرر إذا ما كان المواطنون العرب منحازين للأحزاب الإسلامية ويرون التعددية السياسية فقط بين الأحزاب الإسلامية. للإجابة على هذا السؤال قمنا بطرح سؤال حول ملاءمة النظام البرلماني الذي تتنافس فيه فقط الأحزاب الإسلامية في الانتخابات النيابية. ويشير هذا النظام إلى النظام الإيراني تحديداً حيث لا يسمح لمرشحين غير إسلاميين خوض غمار التنافس السياسي بدون تزكية المرجعيات الدينية.
ترفض الأغلبية من الرأي العام العربي هذا النوع من النظام البرلماني. حيث يرى 76% من الكويتيين بأنه نظام غير ملائم أو ملائم قليلاً للكويت ومن الجدير بالذكر أن 56% من الكويتيين يقولون أن هذا النظام غير ملائم إطلاقاً للكويت. ويأتي المجتمع الفلسطيني في الترتيب الثاني بعد الكويت حيث يرى 64% من الفلسطينيين بأنه ملائم قليلاً (14%) أو غير ملائم إطلاقاً (50%). وفي الجزائر بلغت هذه النسب 11% و 38% على التوالي. وفي الأردن بلغت نسبة من يعتقدون بأنه غير ملائم إطلاقاً للأردن 32%، بينما 19% أفادوا بأنه ملائم قليلاً.
والمهم في هذا المجال هو نسبة من يرون أن هذا النظام ملائم جداً للبلد. حيث بلغت هذه النسبة أعلى حدودها في كل من الجزائر وفلسطين 7%، مقارنة بـ 5% في الأردن و3% في الكويت. ويمكن فهم هذه النسب المتدنية بأنها تمثل الأصوليين، أي النواة السياسية للتنظيمات الاسلامية، في هذه المجتمعات سواء كانوا منتظمين فيها أم لا.
وإذا ما نظرنا إلى مجموع من قالوا بأن هذا النظام السياسي ملائم جداً وملائم فإننا نجد 32% في فلسطين، 29% في الجزائر، 25% في الأردن، 12% في الكويت. ويمكن تفسير هذه الأرقام على أنها تمثل نسب المتدينون الملتزمون سياسياً إضافة إلى المتعاطفين مع الإسلاميين. ولا يعني هذا انه في حال إجراء انتخابات أن الإسلاميين سيفوزون بهذه النسب في هذه المجتمعات لأن ذلك يعتمد على عوامل أخرى كثير ومتعددة ومتشابكة. \
الشكل رقم (2) نص السؤال: سوف أذكر لك بعض الأنظمة السياسية القائمة الآن في بعض دول الشرق الأوسط، وأود أن أتعرف على مدى ملائمة هذه الأنظمة لتكون نظاماً سياسياً في (اسم البلد)؟
نظام برلماني تتنافس فيه فقط الأحزاب الإسلامية في الانتخابات النيابية

وفي الخلاصة يمكن القول وبناء على المعلومات العلمية المتاحة من هذه الاستطلاعات أن الرأي العام العربي أكثر قرباُ من النموذج السياسي التركي منه للنموذج السياسي الإيراني. وربما كانت النتائج ستتغير لو أننا ذكرنا هذين البلدين بالاسم. ولكننا سنقوم بطرح هذه الأسئلة وبصيغ مختلفة في موجات استطلاعات مقياس الرأي العام العربي في المستقبل لنتمكن من دراسة الفرق بين المنهجيات المتعددة والنتائج التي تفضي إليها خصوصاً وان الكثير من الأحداث قد مرت منذ تنفيذ هذه الاستطلاعات في النصف الثاني من عام 2006. وربما يكون لذكر اسم هاتين الدولتين اثر في النتائج المستقبلية بعد تكشف المزيد عن دور إيران في العراق وبعد إعدام حسين.
اخيراً، يتميز الرأي العام العربي بالعقلانية ولعل المزاوجة بين عقلانية الرأي العام من جهة وعقلانية النظم السياسية قد تسهل إيجاد آليات مؤسسية للتواصل لا زالت مفقودة بين بعض الأنظمة السياسية والرأي العام لديها.