| الرئيسية / تقارير وأوراق |
الثقة المجتمعية البينية وعلاقتها بالاقتصاد والثقافة
د. فارس بريزات
الاخبار السيئة هي أن العرب لا يثقون ببعضهم. وبأقل حدة لا تثق الأغلبية من العرب ببقية المجتمع. ونحن هنا لا نتحدث عن الأنظمة السياسية وخلافاتها البينية التي لا تعكس ثقة متبادلة والتي ميزت التاريخ العربي المعاصر بالاختلاف والنزاع، بل نتحدث عن مواطنين في كل من الأردن والمغرب والسعودية والكويت وفلسطين والجزائر ومصر يعبرون عن مستوى ثقة متدني ببقية المواطنين في بلدانهم. لماذا يتميز العرب بهذا المستوى المتدني من الثقة البينية؟ وما هي العوامل المؤثرة في مستويات الثقة هذه؟ هل يختلف العالم العربي عن غيره من المجتمعات؟
تشير استطلاعات المسح العالمي للقيم إلى أن مستوى الثقة البينية العالمي 27% بينما بلغ مستوى عدم الثقة 73%. (الشكل رقم 1) تبدو الظاهرة عالمية ولكن هناك اختلافات جوهرية بين المجتمعات المختلفة ولأسباب متعددة. حيث بلغ مستوى الثقة البينية في السويد 66% وهو أكثر المجتمعات ثقة بين أفراده. وتأتي إيران بالمرتبة الثانية بعد السويد وبنسبة 65%، ثم الصين بنسبة 54%، ثم السعودية بنسبة 53%، ثم اندونيسيا بنسبة 51%. خمسة مجتمعات فقط تتميز بمستوى ثقة بين أفراد المجتمع أكثر من 50%. لا يوجد ما يوحد هذه المجتمعات بحيث يمكن القول أن هناك عوامل دينية أو ثقافية أو اقتصادية خاصة تميز هذه المجتمعات عن غيرها. فمن ناحية الخلفية الدينية، ينتمي المجتمع السويدي إلى الثقافة المسيحية البروتستانتية وهو من اقل المجمعات في العالم تديناُ وأكثرها لبراليةً وغنى. بينما المجتمع الإيراني يتميز بأنه مجتمع مسلم، وينتمي للدول متوسطة الدخل. السعودية مجتمع مسلم محافظ ومن ناحية الدخل ينتمي للدول مرتفعة الدخل. اندونيسيا مجتمع مسلم وينتمي للدول متدنية الدخل. المجتمع الصيني خليط من ديانات متعددة ويشهد نمو اقتصادي كبير ولكنه لا يقع في مصاف المجتمعات ذات الدخل المرتفع. إذن يمكننا القول أنه لا يوجد عامل واحد يمكن أن يفسر مستويات الثقة بين أفراد المجتمع. وعلى الرغم من أن ثلاثة مجتمعات من المجتمعات الخمسة التي بلغت نسبة الثقة بين أفرادها أعلى من 50% هي مجتمعات إسلامية، إلا أن هناك مجتمعات إسلامية أخرى بلغت مستويات الثقة البينية فيها نسب متدنية مثل الجزائر حيث بلغت 11% في عام 2001 وارتفعت إلى 17% عام 2006 وتركيا 19% عام 2001.
أما العامل الاقتصادي، على الرغم من انه لا يبدو جلياً إلا أن الدراسات المعمقة (مثلاً الدراسات التي قام بها رونالد انجلهارت حول الحداثة وما بعد الحداثة) خلصت إلى أن هناك علاقة بين النمو الاقتصادي المستدام و الازدهار الاقتصادي من جهة ومستويات الثقة البينية من جهة أخرى. تبدو هذه الخلاصة واقعية جداً. إذا ما نظرنا إلى مستويات الثقة البينية في الجزائر والأردن وفلسطين والكويت والمغرب نجد أن مستويات النمو الاقتصادي المتواتر كانت احدى أسباب ارتفاع مستوى الثقة البينية بين الجزائريين من 11% عام 2001 إلى 17%، ولعل العامل الأهم في الجزائر هو انتهاء الحرب الأهلية وارتفاع أسعار النفط عالمياً مما انعكس ايجابياً على استثمار الدولة في البنية التحتية وإنعاش الاقتصاد. وفي الأردن الذي شهد اقتصاده نمو متواصل على مدى السنوات الماضية ارتفعت نسبة الثقة البينية من 28% عام 2001 إلى 36% عام 2006. أما في المغرب التي حققت نمو اقتصادي اقل تواضعاً من الجزائر والأردن، فلم يتحسن مستوى الثقة البينية فيها. وفي الكويت وفلسطين لا يتوافر لدينا بيانات سابقة للمقارنة.
العوامل المؤثرة في الثقة البينية متعددة ومتداخلة. وتشير الأدبيات العلمية إلى أن هناك الكثير من الأسئلة التي لابد من الإجابة عليها. مثل هل الثقة البينية شيء جيد أم سيء بالنسبة للمجتمع؟ وهل هي ضرورية لإنجاز أشياء أخرى في المجتمع؟ هل هي ضرورية للاقتصاد الرأسمالي والنمو الاقتصادي؟ الذين يقولون أنها مهمة للمجتمع يبنون وجهة نظرهم على الفرضية القائلة بأن الثقة البينية مهمة لبناء علاقات متكاملة في الاقتصاد والأعمال والسياسة ويشيرون إليها بمصطلح "رأس المال الاجتماعي". آخرون يرون أنها غير ضرورية، أي أنها ليست شرطاً مسبقاً، لتقدم المجتمع وإنما نتيجة متوقعة وليست حتمية للنمو والازدهار الاقتصادي. وبالنظر إلى الشكل رقم 1 نرى أن المجتمعات التي تحتل أدنى السلم في الثقة البينية هي مجتمعات فقيرة مثل أوغندا وتنزانيا والفلبين. هذه المجتمعات تنتمي لمجموعة الدول ذات الدخل المتدني. هذه الجزئية تدعم النظرية القائلة بأن الثقة البينية هي نتيجة للتقدم الاقتصادي وليست شرطاً مسبقاً له. يرى بعض الانثروبولوجيين أن المجتمعات البدائية البسيطة تحظى بمستوى عال من الثقة البينية. لا يبدو أن هذه النظرية يمكن أن تصمد أمام الأدلة العلمية على مستوى المجتمع. في الانثروبولوجيا يتميز العمل الميداني بالتركيز على مجموعة بشرية صغيرة مثل قرية صغيرة أو عائلة من قبيلة ويجري التعميم على المجموعات المشابهة. ولكن في الاستطلاعات السوسيولوجية يجري الحديث عن المجتمع بمكوناته كافة. ويمكن النظر إلى فئات داخل المجتمع ومقارنتها مع غيرها. لو كانت النظرة الانثروبولوجية صحيحة لكانت مستويات الثقة في أوغندا وتنزانيا هي الأعلى بين هذه المجتمعات. النتيجة هي أن موضوع الثقة البينية معقد أكثر مما يبدو في الظاهر.
مستويات التعليم لها اثر في مستويات الثقة البينية كما يبين الشكل رقم 2. المجتمعات العربية الستة المشمولة هنا تؤكد النظرية السوسيولوجية القائلة بأن مستويات عدم الثقة البينية تزداد مع ازدياد مستويات التعليم إلا في حالات استثنائية نادرة ولظروف خاصة. يبين الشكل رقم 2 العلاقة بين مستويات التعليم (متدني-أي اقل من ثانوي-، ثانوي، واعلى من ثانوي – أي تعليم عالي) ومستويات عدم الثقة البينية في المجتمعات العربية. وكان السؤال المطروح في هذه الاستطلاعات هو هل تعتقد أن أغلب الناس يمكن الثقة بهم أم لا؟ النسب المبينة في الشكل رقم 2 هي نسب الذين قالوا أنه "لا يمكن الثقة في أغلب الناس". وتشير هذه البيانات إلى مجموعة من الاتجاهات في الرأي العام العربي تجاه الثقة البينية:
أولاً، باستثناء المجتمع السعودي (انظر الشكل رقم 3)، الأغلبية في جميع المجتمعات العربية المشمولة في الشكل رقم 2، ترى أنه لا يمكن الثقة بأغلب الناس، 81% في الجزائر، 77% في الكويت، 80% في المغرب، 66% في الأردن، 61% في فلسطين، و62% في مصر.
الشكل رقم 2: العلاقة بين التعليم الثقة البينية في كل من الكويت، المغرب، الأردن، الجزائر، فلسطين، ومصر. (المصدر: مقياس الرأي العام العربي باستثناء بيانات مصر من المسح العالمي للقيم)

ثانياً، أن للتعليم اثر سلبي على الثقة البينية. أي لأنه لكما ارتفع مستوى التعليم، ارتفع معه مستوى عدم الثقة البينية بين أفراد المجتمع. في مصر مثلاً، بلغ مستوى عدم الثقة بالآخرين بين ذوي التعليم المتدني 56%ـ وارتفع إلى 66% بين ذوي التعليم الثانويـ والى 72% بين ذوي التعليم العالي. وينطبق الاتجاه ذاته على الكويت حيث بلغت النسب 74% بين ذوي التعليم المتدني، 79% بين ذوي التعليم الثانوي، و 85% بين ذوي التعليم العالي. ولا تختلف الجزائر كثيراً، حيث بلغت النسب 74% بين ذوي التعليم المتدني، 77% بين ذوي التعليم الثانوي، و 85% بين ذوي التعليم العالي. وفي المغرب و الأردن نجد نفس الاتجاه ولكن بحدة أقل كما يبين الشكل رقم 2. أما الحالة الفريدة في هذه المجموعة فهي فلسطين. حيث أن نسبة عدم الثقة بين ذوي التعليم المتدني والثانوي 62% وانخفضت، بعكس المجتمعات الأخرى، بين ذوي التعليم العالي إلى 55%. والسؤال الذي يتبادر للذهن هنا هو، لماذا يرتفع مستوى الثقة البينية بين الفلسطينيين مع ارتفاع مستوى التعليم على عكس المجتمعات العربية الأخرى؟ لعل مرد ذلك إلى أن المتعلمين في المجتمع الفلسطيني يدركون أكثر من غيرهم أن الثقة البينية ربما تكون مهمة في ظل ظروف الاحتلال التي يعيشونها. ولكن هذا لا يعني الكثير إذ أن الأغلبية من المتعلمين الفلسطينيين ترى أن اغلب الناس لا يمكن الثقة بهم.
ثالثاُ، وكما يوضح الشكل رقم 3، ينفرد المجتمع السعودي باتجاه مغاير لبقية المجتمعات العربية. حيث تزداد نسبة الثقة البينية مع ارتفاع مستويات التعليم، وتنخفض مستويات عدم الثقة مع ازدياد التعليم. هذا هو الاتجاه الرئيس للرأي العام السعودي. كيف يمكن تفسير مثل هذه الظاهرة؟ أولا، يمكن القول أن عامل الاقتصاد (النمو المتواصل، والازدهار) هو العامل الرئيس في تفسير هذه الظاهرة. التعليم في المجتمعات العربية الأخرى يؤدي إلى زيادة التنافس على المصادر الاقتصادية المتاحة وربما يقلل هذا التنافس من الثقة البينية لأن نمط العلاقة الاقتصادية التنافسية يفترض أن المعلومات مصدر للكسب ومصدر قوة في اقتصاد السوق الذي لا تتوافر فيه الكثير من المصادر المتاحة للتنافس (مثلاُ المغرب مقارنة مع السعودية). ولكن ماذا عن الكويت؟ ربما يمكن تفسير الاختلاف بين المجتمعين الكويتي والسعودي بحجم السكان ونسبة المتنافسين على المصادر الاقتصادية المتاحة. حيث في السعودية هناك انتشار اقتصادي اكبر وله ميزة جغرافية مثل توزيع المراكز الاقتصادية بين جدة والرياض ومكة والمدينة والطائف (لكل منها خصائصها) بينما في الكويت يتركز النشاط الاقتصادي في الكويت العاصمة. ويعني هذا أن حدة التنافس تتوزع وتخف في السعودية تتركز وتزداد في الكويت. ربما لا تكون هذه التفسيرات كافية ووافية ولكنها محاولة للبدء بفهم أكثر عمقاً لمجتمعاتنا واليات حركتها الاجتماعية والاقتصادية.
الشكل رقم 3 : العلاقة بين التعليم والثقة البينية في المجتمع السعودي. (المصدر: المسح العالمي للقيم)
