| الرئيسية / تقارير وأوراق |
تقييد الاستبداد السياسي
د. فارس بريزات
لا يتمتع الاستبداد السياسي في العالم العربي بالدعم الجماهيري الذي تتخيله النخب السياسية الحاكمة. وعلى الرغم من ازدحام الجو السياسي في المنطقة العربية بمفردات الديمقراطية وحقوق الإنسان استجابة للضغوط الأمريكية والأوروبية بغض النظر من مقومات هذه الضغوط وهدافاها النهائية، لا زال الخطاب الثقافي السياسي العربي يراوح مكانه من ناحية معالجة موضوع الاستبداد السياسي. ويرجع الكثير من الباحثين في هذا الموضوع بداية الانخراط في الجدل الثقافي حول الاستبداد إلى القرن التاسع عشر وكتابات عبدا لرحمن الكواكبي وجمال الدين الأفغاني. إلا أن جيلاً جديداً من الباحثين الواعدين بدأ يبحث الموضوع بشكل مختلف مركزاً على التراث العربي الإسلامي من جهة وعلى رأي الجمهور العربي المتلقي لقرارات الاستبداد السياسي من جهة أخرى. ولعل التحدي الذي يواجهه الجيل الجديد من باحثي التراث مثل الدكتور مهند مبيضين الذي يعكف الآن على دراسة بعنوان هذا المقال "تقييد الاستبداد" مفككا نصوص التاريخ العربي هو لفت انتباه منظري الديمقراطية في البلاد العربية إلى أن تقييد الاستبداد السياسي له جذور ثقافية في التاريخ العربي وليس فقط في التجربة السياسية الغربية الحديثة والمعاصرة.
وتبدو مشكلة الخطاب العربي المعاصر في موضوع الديمقراطية متعددة الجوانب. ربما يكون موضوع شرعية الخطاب السياسي الديمقراطي هو الأهم في المرحلة المعاصرة. ففي الوقت الذي يؤيد الرأي العام العربي الديمقراطية السياسية بشكل كبير، نجد أن ما يكتب في الصحافة العربية، وهي على الأغلب صحافة رسمية أو شبه رسمية، يعبر عن رأي مخالف يمثل رأي النخب السياسية الحاكمة. ويمكن تلخيص هذا الرأي بأنه يرى أن المجتمع غير جاهز لممارسة الديمقراطية السياسية. ويتم التعبير عن هذا الاتجاه بتعبيرات اصطلاحية مثل "الديمقراطية المسؤولة" أو "الحرية المسؤولة" أو :المشاركة المسؤولة" وما إلى ذلك. ومن الطريف في هذه المقاربة أن هؤلاء المنادون بصفة "المسؤولة" عندما يتحدثون عن الديمقراطية والمشاركة السياسية والحرية لا يرون أن خطاب الرأي العام يمثل شرعية عندما ينادي "بالحكم المسؤول" أي حق الناس في تغيير حكومتهم عن طريق صناديق الاقتراع مكافأةً لمن عمل صالحاً وعقاباً لمن عاث في الأرض فساداً.
تقييد الاستبداد لا يعني بالضرورة الرفض المطلق له. ويوجد في هذا الموقف للرأي العام جزء كبير من العقلانية السياسية التي تستجيب لمتطلبات الواقع السياسي والاقتصادي للأفراد. ليس من العقلانية أن يقوم المجتمع باحداث تغيير جذري في تركيبة الحكم المستبد وفي وقت قصير خصوصاً في ظل عدم نضوج قوى سياسية قادرة على إدارة الدولة بشكل يمثل مصالح الجميع وغير انتقامي.ولعل ما جرى ويجري في العراق اليوم هو ابرز دليل على أن رفض الاستبداد السابق لم يلغي الاستبداد اللاحق. أي أن رفض الأغلبية من العراقيين لاستبداد صدام حسين لم تلغي نمو الاستبداد بطرقة جديدة في العراق ومن خلال صناديق الاقتراع.
ولا بد من وجود نسبة من الناس في أي مجتمع لا ترغب في التغيير على الإطلاق وعادة ما تكون هذه المجموعة من الناس من الذين يرتبطون بعلاقة مباشرة مع تركيبة الاستبداد السياسي. يعني التغيير بالنسبة لهؤلاء القفز إلى المجهول. لذلك تتطلب مصالحهم إبقاء القائم على ما هو عليه. وعلى الرغم من وجود الكثير من حركات التمرد ضد الاستبداد السياسي في التاريخ العربي، إلا أن عدد الحالات التي تمكن فيها رافضي الاستبداد من تغيير النظام المستبد تكاد تكون محصورة.
وفي الوقت الراهن تشير استطلاعات الرأي (الشكل رقم 1) إلى أن الرأي العام في كل من فلسطين والكويت والجزائر والأردن يميل إلى رفض الاستبداد السياسي ممثلاً بنظام حكم تتولى فيه سلطة قوية اتخاذ القرارات دون اعتبار لنتائج الانتخابات أو لرأي المعارضة السياسية. حيث عبر 70% من الكويتيين عن هذا الموقف، مقارنة بـ 65% من الفلسطينيين، و 55% من الجزائريين و بـ 45% من الأردنيين. وإذا ما أضفنا نسبة الذين قالوا أن الاستبداد السياسي ملائم قليلاً إلى نسبة الذين قالوا بأنه غير ملائم إطلاقا نجد أن الأغلبية من العرب في هذه البلدان ترفض الاستبداد السياسي بدرجات متفاوتة. وبالنظر إلى نسب المستجيبين في هذه المجتمعات الذين يرون أن الاستبداد السياسي ملائم جداً لحكم البلد نجد ان هذا الموقف ينحصر في 4% من الفلسطينيين، وبـ 5% من الجزائريين، وبـ 4% من الأردنيين، وبـ 2% من الكويتيين. وان دلت هذه النسب على شيء فهي تدل على أن نسبة المؤيدين لحكم الاستبداد تنحصر في نسبة ضئيلة وهامشية من المجتمع. ويشير التحليل المفصل لمن يتبنى هذا الرأي إلى أنهم متعددي الخلفيات أي أنه لا يوجد نمط تعليمي محدد يميزهم عن بقية أفراد المجتمع. ولكن لا بد من أن نتحقق من الجذور الاجتماعية للاستبداد السياسي. وسنعود له تفصيلياً في مقالات لاحقة لأن الدخل والتمدن والتعليم والعمر ونوع العمل والمهنة لا بد أن تعكس فهماً ما لدعم الاستبداد السياسي في هذه المجتمعات.
نص السؤال: سوف أذكر لك بعض الأنظمة السياسية القائمة الآن في بعض دول الشرق الأوسط، وأود أن أتعرف على مدى ملائمة هذه الأنظمة لتكون نظاماً سياسياً في الأردن؟
- نظام حكم تتولى فيه سلطة قوية اتخاذ القرارات دون اعتبار لنتائج الانتخابات أو لرأي المعارضة السياسية

ومن المقولات التي تلقى رواجاً كبيراً في الخطاب العربي المعاصر حول الديمقراطية مقولة أن الاستبداد السياسي له جذور ومبررات دينية. ربما يجد هذا النوع من الخطاب ما يؤيده من أدلة مستقاة من استطلاعات الرأي العام. ولكن في نفس الوقت نجد أدلة تنافيه. وبالنظر إلى الشكل رقم (2) أدناه نجد أن نسب الذين يرون أن "نظاماً محكوم بالشريعة الإسلامية بدون وجود أحزاب سياسية أو انتخابات برلمانية" نظاماً غير ملائماً على الإطلاق لحكم البلد أعلى نسبة بين الخيارات المطروحة على المستجيبين. وإذا ما أضفنا إلى هذه النسبة نسبة من يرون أن هذا النوع من الأنظمة السياسة ملائم قليلاً لحكم البلد نجد أن الأغلبية في كل من الكويت وفلسطين لا تحبذ هذا النظام السياسي. بينما في نجد في الأردن والجزائر أن الانقسام يكاد يكون متقارباً.
وتترك هذه النتائج الكثير من الأسئلة التي تبحث عن إجابات نظراً لأهمية هذه الجزئية للحوار الدائر حول مستقبل الإصلاح والديمقراطية في العالم العربي. لا بد من التسليم أن الدين مهم جداً للمجتمعات العربية. وربما لا يحتاج هذا التأكيد إلى دليل علمي، ولكن تشير استطلاعات الرأي إلى أن الأغلبية الكبيرة من المستجيبين في هذه البلدان وغيرها من البلدان العربية إلى أن نسبة من قالوا بأن الدين يعطيهم "راحة واطمئنان" قد بلغت أكثر من 90%. لذلك لا يمكن لأي مراقب أن يستثني العامل الديني عند الحديث عن الديمقراطية والإصلاح وتقييد الاستبداد السياسي. ففي الوقت الذي ترفض فيه الأغلبية في هذه المجتمعات أن ينحصر التنافس بين أحزاب سياسية إسلامية وتفضل في الوقت ذاته أن تتنافس جميع الأحزاب السياسية في نظام مفتوح، نجد أنه لا يوجد قبول كبير لنظام سياسي محكوم بالشريعة الإسلامية بدون وجود أحزاب سياسية أو انتخابات برلمانية.
الشكل رقم (2) مدى ملائمة نظام محكوم بالشريعة الإسلامية بدون وجود أحزاب سياسية أو انتخابات برلمانية

تقدم هذه الأدلة العلمية مؤشرات جدية على اتجاه الأسئلة الكبيرة التي لا بد من التعامل معها في صياغة أنظمة الحكم المنشودة في عملية تقييد الاستبداد ودمقرطة السياسة في البلدان العربية. ولعل ابرز هذه الاتجاهات هو أنه على الرغم من أهمية الدين بالنسبة للعرب، إلا أنهم يرون فاصلاً واضح المعالم بين الديني والسياسي في المجالين العام والخاص. الدين مهم للأغلبية الكبيرة على الصعيد الشخصي الخاص ولكنه ليس بذات الأهمية على الصعيد العام. وهذا يعطي الفرصة لرسم معالم الأنظمة السياسية المرغوبة. فهي أنظمة، كما يراها الرأي العام العربي، سياسية مدنية وغير دينية ولكنها مطعمة بنكهة دينية تتعامل مع الخاص الشخصي وليس العام السياسي. ولا بد من الاشارة الى ان هذا الموضوع بحاجة للكثير من التحقيق العلمي الرصين للوصول الى خلاصات مدعمة علمياً وهذا ما سنقوم به في قادم الايام.