Home >> Bridge
جسر عبر بلدان العالم*

لهذا العمل أهمية كبيرة من الناحية العلمية ولكن هذا الهدف ليس هو الهدف الوحيد الهام. إن الاستجابة لحاجات التطوير والإصلاح، التي تطرقت إليها سلسلة تقارير التطوير الإنساني للعالم العربي التي أصدرها البرنامج الإنمائي التابع للأمم المتحدة وجاءت في تقارير أخرى مختلفة، تظهر بشكل واضح ماذا يفكر الناس حول الموضوع اليوم. تخدم استطلاعات الرأي العام في دحض الخرافات والصور النمطية. وعلى نفس المستوى من الأهمية، فإن هذه الاستطلاعات تجعل من الصعوبة بمكان أن يقوم المسوؤلون والناشطون على كلا الصعيدين الوطني والدولي بتوفير معلومات مضللة حول ما يريده الناس وما يؤمنون به في الوطن العربي.
 
يعتبر الباروميتر العالمي من أهم هذه المبادرات والأبحاث الدولية. وهناك باروميترات وطنية محلية تجري في كل من شرق آسيا، أمريكيا اللاتينية، والصحراء الإفريقية. وهناك أيضا الباروميتر العربي، وتهدف هذه المشروعات لإقامة توازن بين فوائد التعاون بين كل منها والتركيز على الاهتمامات الخاصة على المستوى الإقليمي. تم تصميم الباروميتر العربي في خمس دول، بالتعاون مع باحثين أمريكيين، هما د. أماني جمال من جامعة برينستون، ود. مارك تسلر من جامعة متشجن، وقد تم عقد الجولة الأولى من استطلاعات الباروميتر العربي في العام 2006 في كل من المغرب، والجزائر، وفلسطين، والأردن، والكويت.
 
تتم جميع الاستطلاعات في مقابلات وجها لوجه مع عينة تمثيلية من المجتمع من الرجال والنساء فوق عمر 18 سنة. فمثلا، في الكويت، وهي الدولة التي فيها أقل تعداد للسكان، بلغ حجم عينة المبحوثين 750 شخصا. وقد تراوح حجم العينة في الدول العربية الأخرى ما بين 1143 – 1300 مبحوثا.
 
بين العديد من الأمور الهامة، بينت النتائج أن هناك تأييدا واسع النطاق في كل هذه الدول، للديمقراطية والإصلاح السياسي، مع التركيز على أهمية مساءلة القادة والحكومات. وبالرغم من إقرار الكثير من المبحوثين بأن الديمقراطية لها مشكلاتها ومساوئها، فإن الديمقراطية في نظرهم ما تزال أفضل نظام سياسي. وقد أيد وجهة النظر هذه 92% من العينة في دولة المغرب، و83% في الجزائر، و 83% في فلسطين، و86% في الأردن، و88% في دولة الكويت.
 
فحصت أسئلة أخرى فهم الناس للديمقراطية، للتأكد من أن هذا المصطلح واضح للمبحوثين، وكذلك للكشف عن بعض الاختلافات في القيم والمعاني والإجراءات التي يفكر البعض بأنها مرتبطة بالحكم الديمقراطي.
 
انقسمت العينة بين مؤيد ومعارض حول دور الدين في السياسة والعلاقات العامة. وقد حاولت بعض الأسئلة فحص هذا الموضوع، وسألنا في أحدها عما إذا كان المبحوث يوافق أو لا يوافق على أن الممارسات الدينية هي مسألة خاصة يجب فصلها عن الحياة الاجتماعية – السياسية. وقد وافق مع هذا الرأي 51% من عينة المغرب، و36% من عينة الجزائر، و48% من عينة فلسطين، و58% من عينة الأردن و54% من عينة الكويت.
 
كان بين الأمور الأخرى التي سألنا عنها في الباروميتر العربي أسئلة واستفسارات تهدف إلى فهم وضع ودور المرأة. وقد وجدنا تأييدا واسع النطاق، على بعض الأصعدة والمواضيع، لمساواة المرأة بالرجل. فعلى سبيل المثال، أيدت قطاعات واسعة الرأي القائل بأن التعليم الجامعي هو أمر على نفس القدر من الأهمية بالنسبة للفتيات والفتيان، تراوحت هذه النسبة بين العالية (84%) في الكويت، والمنخفضة (64%) في الأردن.
 
لكن التأييد للمساواة بين الرجل والمرأة كان أقل بالنسبة لموضوعات أخرى. فمثلا، عندما سئلت العينة فيما إذا كان من الممكن أن تنتخب امرأة رئيسا للدولة أو تعين رئيسا للوزراء في دولة إسلامية، أيد ذلك 41% في الجزائر، و49% في الكويت، بينما أيد ذلك 57% في فلسطين، و68% في الأردن، و68% في المغرب.
 
كما ذكرنا آنفا، لهذا المشروع أهمية كبرى، ليس لأنه يلقي الضوء على الرأي العام العربي فقط، بل لأنه تم تصميمه والعمل عليه بالتعاون مع الباروميترات الأخرى في العالم أيضا. فمثلا، يعمل الباروميتر في شرق آسيا، من خلال المركز الرئيسي في تايوان، مع فرق في أحد عشرة دولة. فيما يعمل الباروميتر في أمريكا اللاتينية، من خلال مقره الرئيسي في التشيلي، مع فرق في ثمانية عشر دولة، ويعمل فريق باروميتر الصحراء الإفريقية، من خلال مقرها الرئيسي في جنوب إفريقيا وغانا والولايات المتحدة، مع فرق في ستة عشر دولة.
 
أحدث باروميتر في هذه المجموعة هو  الباروميتر العربي وأصغرها من حيث الدول المطبق فيها. ورغم حداثة عهده وصغر المنطقة التي يغطيها، إلا أنه انطلق بقوة، ونأمل أن يستمر بنفس الزخم وينتشر في الدول العربية الأخرى في المستقبل القريب.
 
تعمل كل الباروميترات بالتعاون فيما بينها، وتنتقى الأسئلة من مجموعة مشتركة من الاستطلاعات، وبهذا تتاح عملية المقارنة ليس فقط على المستوى الوطني، بل أيضا مع الدول المجاورة ودول أخرى عبر العالم. وقد أخذت نصف الأسئلة في استطلاعات الباروميتر العربي تقريبا من مجموعة الاستطلاعات العامة في الباروميترات الأخرى. وفي نفس الوقت، فالأولويات والموضوعات الهامة ليست هي نفسها في كل المناطق والدول، ففي كل مجموعة استطلاعات في كل بارومتير يتم سؤال مجموعة من الأسئلة حول موضوعات خاصة في الدولة أو المنطقة التي تجرى فيها هذه الاستطلاعات.
 
لكن، بينما توجد هناك أبعاد خاصة وأبعاد عامة في الباروميتر العربي، فإن التعاون مع الباروميترات العالمية والدولية الأخرى هو جسر هام يربط بينه وبين البحوث الدولية. ويضمن هذا التعاون توفير تحليل ومعرفة بالتجربة العربية وإثراء للتجربة البحثية العالمية، وستسهم في البحث العلمي وبحوث السياسات عبر العالم. وبالتالي، يشجع فهما أفضل، وتزيد من قدرتنا على معرفة الخصائص الفريدة لمناطق ودول محددة وتلك المتعلقة بالعالم كله وأوضاع البشرية فيه في القرن الواحد  والعشرين.
 
* مارك تسلر، أستاذ العلوم السياسية في جامعة متشجن

محاضرات فيديو